السيد المرعشي

267

شرح إحقاق الحق

--> الرخاء والثراء ، والسلطة المطلقة ، وتوفير الناس وإجلالهم الذي يمنع من النقد والحسبة والمؤاخذة ، وقد روى يحيى بن معين عن علي بن جعد عن الحسن بن صالح ، قال : تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال : أزهد الناس في الدنيا علي ابن أبي طالب . وهنالك أمثلة من زهده ، وهي قليل من كثير : أخرج أبو عبيد عن عنترة قال : دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق ، وعليه قطيفة وهو يرعد فيها من البرد ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيبا في هذا المال ، وأنت ترعد من البرد ؟ فقال : إني والله لا أرزأ من مالكم شيئا ، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي ، أو قال من المدينة . وأخرج أبو نعيم في " الحلية " عن رجل من ثقيف أن عليا رضي الله عنه استعمله على عكبرا ، قال : ولم يكن السواد يسكنه المصلون ، وقال لي : إذا كان عند الظهر فرح إلي ، فرحت إليه ، فلم أجد عنده حاجبا يحجبني عنه دونه ، فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز من ماء ، فدعا بطينة فقلت في نفسي : لقد أمنني حتى يخرج إلي جوهرا ، ولا أدري ما فيها ، فإذا عليها خاتم ، فكسر الخاتم فإذا فيها سويق ، فأخرج منها ، فصب في القدح ، فصب عليه ماءا فشرب وسقاني ، فلم أصبر فقلت : يا أمير المؤمنين ، أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك ، قال : أما والله ما أختم عليه بخلا عليه ، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني ، فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره ، وإنما حفظي لذلك ، وأكره أن أدخل بطني إلا طيبا . وأوتي بالفالوذج ووضع قدامه بين يديه ، فقال : إنك طيب الريح ، وحسن اللون ، طيب الطعم ، ولكن أكره أن أعود نفسي ما لم تعتده . وعن زيد بن وهب قال : خرج علينا علي رضي الله عنه وعليه رداء وإزار قد وثقه بخرقة ، فقيل له ، فقال : إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزهو ، وخيرا لي في صلاتي ، وسنة للمؤمن . وعن مجمع بن سمعان التيمي قال : خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسيفه إلى السوق ، فقال : من يشتري مني سيفي هذا ؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزار ما بعته . وأخرج أحمد عن عبد الله بن رزين قال : دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقرب إلينا خزيرة ، فقلنا : أصلحك الله ، لو أطعمتنا هذا البط يعني الأوز فإن الله أكثر الخير ، قال : يا ابن رزين ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان : قصعة يأكلها هو وأهله ، وقصعة يضعها بين يدي الناس . وأخرج أبو عبيد في " الأموال " عن علي رضي الله عنه أنه أعطى العطاء في سنة ثلاث مرات ، ثم أتاه مال من أصبهان ، فقال : اغدوا إلى عطاء رابع ، إني لست بخازنكم ، فأخذها قوم وردها قوم . خطب علي الناس فقال : أيها الناس والله الذي لا إله إلا هو ، ما رزأت من مالكم قليلا ولا كثيرا إلا هذه ، وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب ، فقال : أهدى إلي دهقان ، وقال ثم أتى بيت المال وقال : خذوا ، أنشأ يقول : أفلح من كانت له قوصرة * يأكل منها كل يوم تمرة ويقول هبيرة بن يريم : قال سمعت الحسن بن علي خطيبا ، فخطب الناس فقال : يا أيها الناس لقد فارقكم أمس رجل ما ترك بيضاء ولا صفراء إلا سبع مائة درهم فضلت من عطائه ، أراد أن يشتري بها خادما . وقال الفاضل المعاصر الدكتور حسن الشرقاوي في " أصول التصوف الإسلامي " ( ص 53 ط دار المعرفة الجامعية - الإسكندرية ) : زاد زهد علي رضي الله عنه عن زهد أكابر الزهاد ، ولم يدخل إلى أهله وهو أمير المؤمنين شيئا من أموال المسلمين ، ولم يلبس وهو أمير المؤمنين إزارا يزيد على ثلاثة دراهم ، يغسل بيت المال بيده عسى أن يكون ذلك شفيعا له يوم القيامة ، يبيع سيفه الذي قاتل به المشركين ويقول : لو كان عندي ثمن إزار قميص ما بعته ، يرى وهو يلبس المرقع من الثياب فيعاتبه أحد الخوارج فيقول له : ما لك وثوبي ، إنه أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي به المؤمن . بمن يقتدي المسلم إن لم يقتد بعلي ، باب العلم ، ومنارة الحكمة ، وشقيق الرسول وعلى سريره في الجنة . الباكي الحزين ، المؤمن الصابر ، الصادق اليقين ، العادل الأمين ، أول المجاهدين ، الناصر للدين ، العالم الحكيم . . . العارف بعلوم الظاهر والباطن والحق والباطل .