غسان فوزى طه

46

شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )

دون تردد أو خوف ، مع فارق أن هذا التقبل كان نسبيا بين طائفة وأخرى . لقد طالت منافذ التغيير - التي فتحت من أوروبا على منطقتنا في البداية - الاتجاهات السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية في كل من مصر وتركيا ، وأدى انفتاح كل منهما إلى الإسراع في حركة التغيير في الولايات العربية الأخرى ، لما تمتع به هذان الكيانان - في تلك الحقبة - من قوة ونفوذ وتأثير على الولايات العربية المجاورة « 1 » . أما بالنسبة للسلطنة العثمانية ، وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، فقد أخذت تعرف تغيرات عميقة . وكانت تلك المرحلة بالنسبة لتركيا مرحلة التنظيمات والإصلاح ، بسبب الاحتكاك مع أوروبا حيث شهدت الفترة بين 1876 - 1882 إعلان الدستور العثماني تحت ضغط الإصلاحيين العثمانيين ، وعلى رأسهم مدحت باشا . غير أنه مع تسلم السلطان عبد الحميد زمام الحكم ، تعرّض الإصلاحيون للطغيان والإرهاب مما أدى إلى إعاقة الحركة الإصلاحية في تركيا « 2 » . تغيرت الأوضاع سريعا بعد انقلاب تركيا الفتاة وإعلان دستور 1908 ، ثم استلام حزب الاتحاد والترقي مقاليد السلطة ، إذ نادى بفكرة القومية التركية التي تؤمن بتفوق العنصر التركي ، الأمر الذي أدى إلى ظهور ردة فعل على هذا التطور ، بدأت تباشيره بحركة قومية عربية في سوريا من المسلمين ، وبها التقى المسلمون مع الحركة التي نادى بها المسيحيون والتي انطلقت من وحدة التراث واللغة العربيين ، باعتبارهما أساسا للوحدة القومية « 3 » . كان في طليعة هؤلاء ، بطرس البستاني وإبراهيم اليازجي ويعقوب صروف وفارس نمر « 4 » . وقد ظهرت عوامل جديدة مؤثرة في اتجاهات ومسار الحركات السياسية في المشرق العربي ، حيث تأسست العصبة العثمانية في باريس في تشرين الأول 1908 من بعض رجال الأعمال والمثقفين المسيحيين والبيروتيين ، انطلقت من نزعة قومية سورية تسترت بالدعوة للارتباط بالعثمانية ، ثم قامت في باريس 1911 ،

--> ( 1 ) حسن غريب ، نحو تاريخ فكري سياسي لشيعة لبنان : منذ عام 635 حتى 1943 ، دار الكنوز الأدبية ، بيروت 2000 ، ج 1 ، ص 233 . ( 2 ) كوثراني ، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي : 1860 و 1920 ، ط 3 ، معهد الإنماء العربي ، بيروت 1982 ، ص 155 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 202 . ( 4 ) د . محمد شيا وآخرون ، الحركات الجماهيرية في الوطن العربي : دراسة نظرية وتطبيقية ، معهد الإنماء العربي ، بيروت 1991 ، ص 48 .