غسان فوزى طه
39
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )
خلاصة يتبين مما ورد في صفحات هذا الفصل ، أن الوجود القرابي ، كان وليد مراحل من الحراك الجغرافي الناتج عن أسباب وعوامل متنوعة . غير أن ما يمكن أن يفصح عنه هذا الحراك هو ما يحمله من دلالات ، بينها أن هذه الوحدات لم تكن قبل مجيئها مجرد أفراد وأسر قرابية لا يجمع بينها رابط بل هي أكثر من ذلك ؛ فالنزوح إلى الهرمل خصوصا ، تمّ من خلال وحدات قرابية تعددت غاياتها ، ولكنها ارتبطت فيما بينها بقرابة دموية واحدة ، وقد حملت معها مشروعا سياسيا قادها فيما بعد إلى إرساء ركائزه في منطقة الهرمل . من جهة أخرى فإن هذا النزوح في ارتباطه بظروف سياسية ، يشير إلى أن تاريخ الوحدات القرابية لم يكن معزولا عن سياقات الأحداث التي أحاطت بها ، بقدر ما يؤكد تعاطيها وتفاعلها معها انطلاقا من البعد القرابي والذي سيترك تأثيراته على وجودها وتفاعلها مع المستجدات التي ستحيط بها بعد استقرارها في المنطقة . أما الأسباب الأخرى التي ارتبطت بظروف ثأرية وأخرى بطلب الرزق فهي أيضا لا تخرج عن هذه الدلالات ، باعتبار أن طلب الرزق اتخذ منحى جماعيا ، وكذلك الثأر لم يكن ليخص فردا بعينه بقدر ما يخص جماعة القرابة . ولابدّ هنا من الإشارة إلى دلالات لا تخلو من أهمية ، هي أن التوزع والانتشار الجغرافي في منطقة السهل أو المنحدرات الجبلية سواء في القرى أو في الأحياء ، يعبّر في شكله القرابي عن أهمية التجاور داخل الحيّز الجغرافي الخاص في الحفاظ على الوجود الجمعي القرابي بتفاعلاته وإنتاجه اليومي للعلاقات القرابية . فالوجود القرابي ليس وجودا عدديا بقدر ما يعبّر عن حالة أخرى تتمثّل ببنية قرابية تنطوي على قدر من التنظيم ، قوامه مؤسسة الزعامة التي تربط عرى القرابة في الداخل ومن خلالها يتم الانطلاق نحو تنظيم العلاقة مع الخارج المختلف عن دائرتها القرابية .