غسان فوزى طه

27

شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )

في أماكنهم الوعرة من السلسلة الغربية لوادي البقاع ، وما انتصف القرن الثامن عشر حتى تعرضت العشائر الحمادية إلى حملات عسكرية من الشهابيين . ويورد طنّوس الشدياق أنه في عام 1763 م أتى الأمير يوسف الشهابي من اللاذقية إلى جبيل واستقر فيها واليا ، ومال إليه أهاليها واستظهرهم على المشايخ الحمادية ولاة تلك البلاد فحاربهم مرارا وكسرهم حتى أضعفهم « 1 » . وفي نهاية القرن الثامن عشر حاربهم الأمير يوسف الشهابي وظهر عليهم فخاف « المتأولة » ، وقاموا بعيالهم من وادي علمات ومن جبة المنيطرة إلى الكورة ، فلحقهم إلى الكورة ثم أدركهم في دير بعشتار فغار عليهم بمن اجتمع إليه من أهل تلك البلاد ، وفرّ الباقون فسار خلفهم إلى القلمون « 2 » . ثم يورد في مكان آخر أن منهم من تفرق في جبّة المنيطرة وعلمات ومنهم من سار وسكن بلاد بعلبك وتولوا بلدة الهرمل « 3 » . 2 - 3 النزوح من القرى والمناطق المجاورة : أو لم تكن حركة النزوح من كسروان وجبيل هي وحدها التي شهدتها المنطقة ، وإنما تعدتها إلى حركة مماثلة من أماكن أخرى ، دون أن تعود بأسبابها إلى عامل الحروب وطلب الأمن والاستقرار ، وإنما إلى عامل آخر ، تمثل بطلب الرزق الذي كان يوفّره السهل بخصبه وزرعه الوفير للعائلات التي كانت تسكن الأماكن الجبلية ، وتعاني من الظروف المناخية القاسية التي تدفعها إلى ترك أماكنها ، والاستقرار في النواحي السهلية التي تؤمن لها مستلزمات العيش . وبالإضافة إلى الظروف السياسية التي دفعت العشائر الحمادية للنزوح إلى المناطق الجردية في الهرمل هربا من السلطة المركزية ، كانت هناك حركة نزوح من السلسلة الجبلية الشرقية المحاذية لسوريا من قبل عدد من العائلات التي ترجع بأصولها إلى تلك السفوح ، ومنها عائلة الحرفوش التي ترجع أصلا كما يعتبر جعفر المهاجر في كتابه التأسيس لتاريخ الشيعة إلى قريتي « الجبة » و « عسال الورد » . ويرجع أسباب قدوم هذه العائلات إلى فقدان التكافؤ بين القدرة الإنتاجية لتلك الجبال والتكاثر السكاني « 4 » . ويضاف إليها عوامل أخرى تتعلق بالأسباب الثأرية حيث لا تزال ذاكرة المعمرين تحتفظ برواية ترجع أسباب نزول العديد من العائلات من القريتين المذكورتين إلى الحادثة الثأرية التي وقعت بين مرعي البقداني ( نسبة إلى قرية بقدانة المجاورة لعسال الورد ) وعائلات إحدى القرى المجاورة وهم من أهل السّنّة ، ففرّ بعد أن قتل عددا منهم

--> ( 1 ) طنوس الشدياق ، أخبار الأعيان في جبل لبنان ، مكتبة العرفان ، بيروت 1954 ، ج 2 ، ص 37 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 197 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 46 . ( 4 ) جعفر المهاجر ، التأسيس لتاريخ الشيعة ، مرجع سابق ، ص 115 - 117 .