صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
476
حركة الإصلاح الشيعي
الحيدرية في عيتا الزط ، أن يتقدموا إلى الامتحان ، على غرار طلاب المدارس السنّية . وقد طلب المشير أن يحقق بشأن هذه المدرسة . فحضر إليها ملازم أول تركي ، وقابل شيخها السيد حيدر مرتضى ، إلا أنه لم يجد التلامذة ، إذ كانوا يختبؤن في القرى المحيطة هربا من التجنيد . فكانت المدرسة فارغة . ويروي محسن الأمين قائلا : « فأرسلوا فأحضروا من أمكن حضورهم وحضر معهم بعض المعممين من غيرهم تكثيرا للسواد . . . » . فعمل الملازم التركي تقريرا مواتيا ، وأكّد فيه أن الشبان المطلوبين إلى الخدمة العسكرية كانوا من طلاب العلم ، وكان ذلك دليلا على حسن نواياه تجاه العامليين . وقد أقنع تقريره المشير فأعطى موافقته ، وبذلك اعترفت الحكومة بالمدرسة الحيدرية وبات تلامذتها مؤهلين للتقدم إلى الامتحان السنوي الذي يخولهم الاعتراف بهم علي أنهم من العلماء « 65 » . إلا أن حظ الطلاب العامليين في الوقوع على موظفين بمثل رحابة الصدر هذه ، لم يكن دائما ؛ فقد كانوا أحيانا عرضة للمضايقات الإدارية أو موضعا للشكوك « 66 » . على أنهم يدينون بموقفهم الجديد لحسن نوايا بعض موظفي الدولة العثمانية ، وليس لحمية زعمائهم ، مدنيين كانوا أم روحيين . تعود المرحلة الثانية من اعتراف العثمانيين بالعلماء الشيعة ، إلى الفترة التي أعلنت فيها التعبئة العامة أثناء الحرب الكبرى . إذ استثني من الخدمة أئمة المساجد والكهان والحاخامات وحدهم . وبما أن العلماء الشيعة لا تعيّنهم الدولة ، لم يكن لهم ذكر في أي سجل من هذه السجلات الرسمية ، ولم يكن لديهم أية وثيقة تخولهم الإعفاء ، فلم يكن لديهم إذن أية وسيلة للخلاص من الانخراط في الجيش . فتحرك ، هذه المرة ، الناس إلى جانب العلماء لنيل مطلبهم . وقد شهد بذلك عبد الحسين شرف الدين ومحسن الأمين كلّ على طريقته . يروي الأول أنه أرسل برقيات شديدة اللهجة إلى السلطان والصدر الأعظم ووزير الحربية ، بالاتفاق مع غيره من العلماء أمثال نجيب فضل الله وحسين مغنية ومحمود مغنية ، كما أن الشعب ما انفك ، هو أيضا يطالب بإعفاء أئمته حتى نال مبتغاه « 67 » . أما محسن الأمين ، فيروي أن طلاب العلم الشيعة كتبوا إلى الحكومة حتى تمنحهم البراءة التي تمنحها للسنة . ويتحدث عن التباس وقع ، فعجّل في خلاص العلماء الشيعة ، فقد كان في بيروت جماعة من المطلوبين إلى الخدمة من العامليين ، جاؤوا للالتحاق بصفوف الجيش العثماني ، وأظهروا حماسة أمام قصر الوالي . فاستعلم هذا الأخير عن الجمع ، فقيل له إنهم من العامليين وقد تطوعوا بملء إرادتهم . . . فأرسل الوالي في الحال برقية إلى إسطنبول يدافع فيها عن أتباع الدولة الصالحين هؤلاء « 68 » . وبذلك استثني الأئمة
--> ( 65 ) . محسن الأمين ، سيرته ، ص 75 - 76 . ( 66 ) . المرجع السابق ، ص 76 - 77 . ( 67 ) . عبد الحسين شرف الدين ، بغية ، الجزء الثاني ، ص 141 - 143 . ( 68 ) . محسن الأمين ، سيرته ، ص 176 .