صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
410
حركة الإصلاح الشيعي
سياسي قائم على تصور سياسي حديث . وكان موقف الأكثرية من علماء جبل عامل يتماشى وموقف زعيمه ، ولو أن موقفهم لم يتخذ مثله ، طابعا عدوانيا قائما على الدفاع عن موقعه وعن حماه . وإنه لمن المستغرب بالفعل أن لا يكون علماء جبل عامل قد تورطوا في هذه القضية ، فقد كانوا ، منذ تلك الفترة ، قد بدأوا بنشر أفكارهم على الملأ في الصحافة ، وبمخالطة الأدباء والوجهاء . بل إنهم لم يذكروا هذه الدعوى ، مع أن نتائجها كانت وخيمة ، تستحق أن يكون لها صدى كبير في جبل عامل وفي ما تركوه من سير لهم . ومنهم محسن الأمين أو عبد الحسين شرف الدين أو حبيب آل إبراهيم ، الذي وصف بالتفصيل عودته من النجف ، في بداية الحرب الكبرى ، ولم يورد حتى ذكر المحاكمة . وكان في إمكان رجال الدين التقليديين أن يكتفوا بموقف المسايرة في مواجهة التقلبات السياسية والاجتماعية التي كانوا يشهدون عليها ، واثقين بذلك من دوام رياستهم . وكان رجال الدين المتورطون في هذه الدعوى ، ما خلا عبد الكريم الزين ، الذي كان ضحية خطأ ما لبث ان صحح « 52 » ، ومحمد إبراهيم ، ينتمون إلى أسر من وجهاء صيدا دخل بعض أفرادها في سلك رجال الدين ، ولم يكونوا من « بيوت العلم » في داخل البلاد : وهذا ما كان من أمر منير ومحيي الدين عسيران وبهاء الدين الزين . وذلك لأن النخب الجديدة من طبقة البورجوازيين المدنيين لم تتردد في المغامرة ، بخلاف الوجهاء التقليديين ، لإثبات ترقيها الاجتماعي ، وتأكيد مشاركتها في القضايا العامة . فقد كان هؤلاء الرجال يتدربون على ولوج نوع جديد من التنظيم السياسي ، من النمط الحديث ، قدمته جمعية الاتحاد والترقي ، إلا أنه مع ذلك ، لم يكن يمكنهم من السيطرة على جميع مفاتيحه ؛ مما كان يخل بشروط اللعبة . أضف إلى ذلك أن الفاعلين فيها لم يكونوا قد وصلوا إلى اكتساب درجة من النضج السياسي اللازم للدفاع عن قضيتهم . ومن هنا حدثت الوشايات الخاضعة لمنطق الخصومات المحلية ؛ وكانت شائعة في جبل عامل وفي غيره من البلاد . ومن هنا أيضا كانت الثقة الزائدة بموقف الزعيم الشاب عبد الكريم الخليل ، فهو ، كما يقول سليمان ظاهر ، كان قليل الخبرة وقليل المعرفة بالرجال « 53 » . ولم يكن في الإمكان مقارنة وضع العامليين ، بوضع الشيعة في المدن المقدسة في العراق ، وكان فيها مركز الرياسة الروحية لجميع الطائفة ؛ فكان هؤلاء أكثر اطلاعا ولا سيما في مسائل الخلافات بين الزمر السياسية المتناحرة وبين رجال الدين المنافسين لها ؛ أضف إلى ذلك أنهم اكتسبوا ثقافة سياسية حديثة في أثناء المناظرات التي دارت حول الحركة الدستورية في إيران . وكان لديهم رؤساء
--> ( 52 ) . كان عبد الكريم الزين يقيم مؤقتا في بيت ابن عمه حسين الزين ؛ وكان قرب بيت أحمد عارف الزين وقرب مطبعته ؛ فكان يرى معه ومع أصحابه فأخذوه معهم إلى عاليه . وقد نفى المتهمون فيها أنهم قاموا باجتماع لأعضاء الجمعية بل قالوا إنهم كانوا هناك للسلام على العالم على عاداتهم . فظن المحققون في أول الأمر أن عبد الكريم الزين كان زعيم الجمعية . إلا أنه ما لبث أن برّئ من التهمة . أنظر علي الزين ، من أوراقي ، ص 45 . ( 53 ) . سليمان ظاهر ، جبل عامل في الحرب الكونية ، ص 38 .