صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

372

حركة الإصلاح الشيعي

يتولى مشيخة الأزهر للمرة الثانية . ما يعني أن مجتهدنا ، وكان ما يزال في أول عهده بالتخرج من المدارس الشيعية الدينية ، كان في مواجهة أحد كبار رجال الدين في القاهرة ، قارب الثمانين من عمره ، وهو عالم جليل موقّر في ذروة مسيرته المهنية باعتباره شيخ الأزهر ، قد أثبت كفاءاته ؛ ولم يشتهر بمرونة أفكاره . وكان ، حينما عيّن شيخ الأزهر أول مرة حوالي بداية القرن العشرين ، قد أوقف أعمال الإصلاح التي قامت بتأثير محمد عبده ، وعارض إدخال العلوم الحديثة في منهاج التدريس . ثم استقال من منصبه ، ثم عاد إليه سنة 1909 ، فدأب منذ ذلك الحين على العودة إلى النظام القديم « 173 » . باختصار ، فإنه كما يقول رشيد رضا : « الشيخ سليم البشري لم يجر على يده شيء من الإصلاح بل كان معارضا في كل شيء » « 174 » . هذا ما كان من موقف محمد بخيت أيضا ، وكان شيخا للأزهر هو أيضا ، وقد درس عليه عبد الحسين شرف الدين « 175 » . وعلى ما كان عليه سليم البشري من مقام كبير ، وفكر منصرف عن المستقبل ، فإنه كان بالإمكان أن يقبل بمحاورة هذا المجتهد الشيعي غير المعروف تقريبا ، وأن يقيم معه بعض المناقشات العقدية ، بعد انتهاء الدروس ؛ أما أن يقوم بدور المستغلّ الذي أعطاه إياه عبد الحسين شرف الدين في المراجعات ، القابل ، المعترف ، المصدّق لما يمليه عليه العالم الشيعي على طول الحوار ، فتلك خطوة تبدو مستحيلة . فعالم المراجعات السني ، بعد أن طرح أسئلته المعدّة لأن تقود مسار الاحتجاج لدى شريكه ، قد فقد الحجّة ، وانطرح أرضا ، وغلب . . . ما يعني أنه اقتنع بعقيدة خصمه ؛ وأنه أصبح شيعيا بمقتضى المنطق . فليس هذا هو سليم البشري في الواقع إذن ، شيخ الأزهر ، بل إنه شخصية وهمية ، محاور نموذجي في حوار مثالي بين السنة والشيعة ، على مثال أم القرى للكواكبي حيث يصف مؤتمرا وهميا مثاليا يجمع بين المسلمين في مكة . وقد كان بإمكان عبد الحسين شرف الدين أن « يستعمل » شخص سليم البشري على هذه الصورة ، يوم صدرت المراجعات سنة 1936 ، محيطا الأمر بالغموض المناسب حتى يسوّغ الظن بأنه شيخ الأزهر ، من دون ذكر ذلك بالتصريح . فشيخ الأزهر كان قد توفي منذ أكثر من عشرين سنة ، وأما محمد بخيت ، ولعله كان الشاهد الأخير على هذه القضية ، فقد توفي منذ فترة بسيطة . وقد زاد في سهولة اتباع هذا السبيل أن رشيد رضا ، الذي ما كان ليترك مثل هذا الكتاب دون أن يمرره على غربال نقده ، قد توفي هو أيضا قبل سنة . ولا يبدو للوهلة الأولى أن عبد الحسين شرف الدين قد تورط إلى حد التزوير . فهو قد زان كلامه

--> ( 173 ) . عبد المتعال الصعيد ، تاريخ الإصلاح في الأزهر ، مطبعة الاعتماد ، القاهرة ، 1951 ، ص 66 وص 83 - 84 . ( 174 ) . تاريخ الأستاذ الإمام ، الجزء الأول ، ص 555 . ونذكر أن طه حسين يروي في مذكراته أنه قام بينه وبين سليم البشري نقاش حاد في أحد دروس التفسير . أنظر 75 - 65 . p , 2991 , dramillaG , erueir ? etni e ? esrevart aL , niessuH ahaT ( 175 ) . الزركلي ، الأعلام ، المجلد 6 ، ص 50 .