صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
216
حركة الإصلاح الشيعي
ولم يكن الخلاف ، على رقعة الشطرنج العاملية ، منحصرا بفريقين بل بعدّة أفرقاء . كل تحركه حوافزه الخاصة به . وقبل أن نعرض الوقائع سنحاول أن نمهّد لها - بصورة مبسطة بالضرورة . فقد كان العلماء إمّا في صراع على الزعامة الدينية وإمّا في تحالف لاقتسامها فيما بينهم . فمن جهة كان محسن الأمين ( في دمشق ) حليفا لحسين مغنية ( في طيردبا ) ، ومن جهة أخرى كان منافسهما عبد الحسين شرف الدين ( في صور ) حليفا لعبد الحسين صادق ( في النبطية ) . وكان لعبد الحسين شرف الدين في صور نفسها منافس آخر من رجال الدين هو محمد يحيى صفي الدين « 116 » . وقد أضيفت إلى ذلك تحالفات صور وعداواتها ؛ فكان لعبد الحسين شرف الدين عدوّ من وجهاء صور هو إسماعيل الخليل المقرب من محمد يحيى صفي الدين ، وبالمقابل فإنه كان حليفا ليوسف الزين ، لأنه لم يكن يهدد سلطته . أما جماعة الوجهاء فكانت فيما بينهم عداوات أيضا . وكان كلّ من هؤلاء الرؤوس ينوي الاستفادة من تأسيس المدرسة في جبل عامل ، لدعم سلطته وهيبته عند الناس . ولذلك فقد تركزت المعركة حول المكان : أين تقام هذه المدرسة ، في صور أم في النبطية ؟ كما أن فكرة إعادة افتتاح المدرسة أعادت النقاش القديم حول إدخال العلوم غير الدينية في مناهج تعليم الأولاد ، فاستعاد العلماء خلافاتهم حول هذا الموضوع . وكان الأمر يدور حول اختيار نوع المدرسة المطلوب إنشاؤها : مدرسة دينية تقليدية أم مدرسة حديثة . وكانت السلطات المنتدبة تراقب كل هذه النقاشات بواسطة ممثليها المحليين ، وذلك باهتمام متصاعد ، حتى أن الشيعة التمسوا منهم العون في مشروع المدرسة . مما جعلهم في وضع حرج ، لأن مسيحيي صور طلبوا أن تقدم لهم الدولة ما قدمت للشيعة ، فطالبوا بمساعدة مادية لتطوير مدارسهم ، فزاد ذلك في الطين بلة . وبذلك اكتمل عقد الفاعلين السياسيين في جبل عامل حول هذه المدرسة التي لم تر النور . فلنر ما جرى بدقة ، مسترجعين تطور الاحداث في هذه القصة . أسباب الخلاف بقي العلماء يجتمعون بانتظام بين عامي 1928 و 1930 في مواضع عديدة من جبل عامل للتداول في المشروع . وانتدبوا يوسف الفقيه لينتقل بين القرى العاملية ويجمع الأموال الضرورية من السكان . فتحصّل لديه مبلغ 1200 ليرة أودعها أمين الصندوق نجيب
--> ( 116 ) . محمد يحيى صفّى الدين ، درس في النجف ثم عاد إلى مدينته صور وكان فيها قاضيا . وقد ألّف كتابا بعنوان : مناهل الأشواق في العقل والعلم ومكارم الأخلاق ، الجزء الأول ، العرفان ، صيدا 1932 ، 272 صفحة ( لم نرجع إليه ) . وبحسب ما يقوله عارض الكتاب في العرفان فإن الكتاب مرتب على طريقة إحياء علوم الدين للغزالي . أنظر : العرفان ، المجلد 23 ، العدد الثاني ، ص 321 ( تشرين الأول 1932 ) .