صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

177

حركة الإصلاح الشيعي

سنة 1910 يجمع من حوله جماعة من الطلاب « 196 » . إلّا أن رجال الدين ، على وجه العموم كانوا يكتفون بجماعة صغيرة من الأتباع ، لا يلبثون أن يذهبوا ، في أغلب الأحوال ، إلى المدن المقدسة في العراق . ولسوف نشرح في الفصل الآتي كيف كان شيعة جبل عامل يواجهون مسألة التعليم الديني بعد سقوط الدولة العثمانية . لم يستطع العامليون في الواقع أن يقيموا نظاما دائما للتعليم ، على الرغم من بعض المحاولات التي قامت في نهاية القرن التاسع عشر . وقد كانت تجربة علي الأمين قبل عدة عقود قد باءت بالفشل . فلننظر في الأسباب . كان علي الأمين قد أعاد إلى مدرسة شقراء « عزّها » ، وكان جدّه أبو الحسن موسى ( 1726 - 1780 ) قد أسسها في شقراء ، وكانت الأولى في جبل عامل التي امتلكت أوقافا لسدّ حاجاتها المالية ، وكانت تتسع لأربعمائة طالب « 197 » ؛ فأعاد عليّ افتتاحها . وقد أرسل طلابه في جمع الخمس من سكان القرى المجاورة ليوفر لها المال الكافي حتى تسير أمورها على ما يرام . وفي أحد الأيام عيّره أحد القرويين ، وقد أرهق ، بأن لا فرق بين طلابه وبين أزلام حمد بك ، وكان الزعيم في ذلك الحين ، الذين يثقلون الفلاحين بالضرائب ؛ فاستاء العالم وقرر أن لا يعود إلى هذه الوسيلة لتمويل المدرسة وأخبر طلابها بأنه لن يستطيع إعالتهم بعد اليوم ؛ فبقي البعض وتفرق البعض الآخر . ثم اندثرت المدرسة بوفاة علي الأمين « 198 » . وتظهر هذه الحادثة أنه لم يكن في استطاعة رجال الدين أن يعتمدوا على الدعم المادي المنشود لدى السكان بعد أن أفقرهم ابتزاز الزعماء لهم . فكانت الوسيلة الوحيدة تقوم على التفاهم بينهم وبين الزعماء إياهم ؛ فهم الممولون الوحيدون : ولذلك فقد كان حسن سير التعليم ، كما يلاحظ وضّاح شرارة ، منوطا بالعلاقات بين الزعماء والعلماء ؛ وقد تحسنت بعد التنظيمات ، أي بعد أن أعفي الزعماء من مناصبهم وأنشئت إدارة عثمانية مباشرة في الولايات « 199 » . أضف إلى ذلك أن ظهور الوجهاء قد مهّد لإنشاء المدارس ، ولا سيما في المدن ، وعلى الأخص في النبطية ، حيث كان الأثرياء من التجار مستعدين لتشجيع التربية . لذلك فقد كان تمويل مدرسة عبد الله نعمة يتم عن طريق سليمان الزين ، ومدرسة حسن يوسف مكي عن طريق حيدر جابر ، ثم جددها حفيدا سليمان الزين ، يوسف وحسين في العقد الثالث من القرن العشرين « 200 » . كانت هبات الوجهاء تسمح لرجال الدين القائمين على المدارس أن يؤمنوا حسن سيرها اليومي ، وصيانة مبانيها ، وإطعام طلابها ومساعدة المعوزين منهم . وقد ظهرت بذلك بداية تنظيم ، كان في

--> ( 196 ) . أنظر محسن الأمين ، خطط جبل عامل ص 183 ، والعرفان المجلد الثاني ص 530 . ( 197 ) . الأعيان ، المجلد العاشر ص 182 - 185 وخطط ص 183 . ( 198 ) . خطط ، ص 183 . ( 199 ) . وضاح شرارة ، الأمّة القلقة ، ص 80 - 81 . ( 200 ) . الأعيان ، المجلد 8 ص 60 ومحمد جابر آل صفا ، تاريخ ، ص 252 والأعيان ، المجلد 5 ص 394 .