صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

117

حركة الإصلاح الشيعي

كانت العمامة تقيم فرقا بين من يعتمرها ومن لا يعتمرها : بين العلماء الذين طلبوا العلم وبين باقي الناس . إن لونها وشكلها وهيئتها تظهر فروقا أخرى . وقد رأينا أن الشيخ يعتمر العمامة البيضاء ، أما عمامة السيد فسوداء أو خضراء . ولا بد من الملاحظة أن العمامة البيضاء التي يعتمرها المشايخ ، والتي رأيناها في جميع الصور الشمسية التي بحوزتنا ، هي ظاهرة متأخرة نسبيا . فقد كان رجال الدين في نهاية القرن التاسع عشر يعتمرون عمامة بيضاء مطرزة بخيط ذهبي سميك تسمى « الأغابين » « 185 » . وقد شهد بذلك الدكتور « لورتيه » في روايته لزيارة الشيخ محمد علي عز الدين في حناويه . يقول : « وذهبت بعد بضعة أيام لزيارة الشيخ وهو شيخ رائع ذو لحية فضية عظيمة ؛ ويرتدي ثيابا بيضاء بكاملها ، وعلى رأسه البهي كفية من الحرير الأصفر المذهب . . . » « 186 » . أما شكل العمامة فكان ذا دلالات . فالأدباء الذين ذكرناهم في أول هذا الفصل ، كانوا يعتمرون عمامة بيضاء ملاثة على طربوش عثماني . كذلك كان « الفئية » و « السيّاد » : إلا أن « السياد » كانت عمامتهم خضراء . وأما كبار رجال الدين والمجتهدون فيعتمرون عمامة سوداء أو بيضاء خاصة بعلماء الشيعة ، لا تلف على الطربوش ؛ وذلك خلافا للعلماء السنة . وكان ذلك يسمح للمراقب الخارجي ، حتى ولو لم يكن على علم بالأمور الدينية ، أن يعرف مرتبة مخاطبه . وهذا ما كان من أمر « غابرييال پويو » المفوض السامي لسلطة الانتداب الفرنسي في نهاية العقد الرابع من القرن العشرين . فقد كتب عن العلماء الشيعة يقول أنهم : « يتميزون عن زملائهم السنة بعظم عمامتهم وهي على صورة اليقطينة وحجمها » « 187 » . وكانت عمامة رجال الدين موضع كناية الشعراء واستعارتهم . وهذا عبد الحسين العبد الله « 188 » يقول : « حرمون يا شيخ الجبال أخفتني * لما لبست برأسك الإكليلا فحسبت شيخا من مشايخ عامل * لبس العمامة يبتغي التدجيلا » « 189 » على أن العمامة كانت ، بالنسبة إلى رجال الدين أنفسهم ، رمزا لعلمهم ومرتبتهم أي أمرا لا يقدر بثمن . ويمكننا أن نحكم على ذلك من هذه الحادثة : لمّا أصيب موسى شرارة بداء السل في العراق وفضّل العودة إلى جبل عامل على أن يتبع علاجا مكلفا لا طاقة له به ، فقال صديقه محمد حسن آل

--> ( 185 ) . وكان هذا النوع من القماش يستعمله رجال الدين السنة أيضا وقد اختفى تدريجا لدى السنة والشيعة ، وحل محله القطن الأبيض . وقد استقيت تفاصيل هذه المعلومات من المأسوف عليه البروفيسور سليم بركات أثناء مقابلة أجريتها معه في دمشق في 12 / 1 / 1997 . ( هامش للمترجم ) ولعل القصد هنا الغبانة فيكون جمعها أغابين . ( 186 ) . 231 . p , iuh'druojua'd eiryS aL . لا يذكر « لورتيه » اسم العالم الذي زاره ، ولكن موسى عز الدين يروي هذه الحادثة ويؤرخها سنة 1297 ه ( 1879 م - 1880 م ) أنظر التذكرة ص 58 - 60 . ( 187 ) . , ettehcaH , 0491 - 9391 , nabiL ud te eiryS ed srinevuoS . tnaveL ua se ? enna xueD , xuauP leirbaG 111 - 011 . p , 2591 . ( 188 ) . ولد عبد الحسين العبد الله سنة 1909 ودرس في مدارس جبل عامل التقليدية ثم عيّن كاتبا في المحكمة ، وكان من شعراء جبل عامل المشهورين . وكانت الخمرة من أغراض شعره . . . كذلك رجال الدين فقد وجّه لهم نقدا لاذعا . ( 189 ) . عبد الحسين العبد الله ، حصاد الأشواك ، ص 54 .