أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني

58

تيسير المطالب في أمالى أبى طالب

إلى جانب خيمة خالتها - أي خالة هند وهي أمّ معبد وليست خالة النّبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم كما في بعض نسخ الأمالي فهو وهم ، وقد ذكره الحاكم في جلاء الأبصار - فلمّا كان من الغد أصبحنا وقد غلظت العوسجة حتّى صارت أعظم دوحة عادية رأيتها ، وشذب اللّه شوكتها ، وساخت عروقها ، واخضرّ ساقها وورقها ، ثمّ أثمرت بعد ذلك وأينعت بثمر أعظم ما يكون من الكمال في لون الورس المسحوق ، ورائحة العنبر وطعم الشّهد ، واللّه ما أكل منها جائع إلّا شبع ، ولا ظمان إلّا روي ، ولا سقيم إلّا برى ، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلّا درّ لبنها ورأينا النّمى والبركة في أموالنا منذ نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأخصبت بلادنا وأمرعت ، فكنّا نسمّي تلك الشّجرة المباركة ، وكان من ينتابنا من حولنا من البوادي يستشفون بها ويتزوّدون من ورقها ، ويحملونها معهم في الأرض القفار فتقوم لهم مقام الطّعام والشّراب . فلم تزل كذلك وعلى ذلك ، حتّى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها واصفرّ ورقها ، فحزنّا لذلك وفزعنا له ، فما كان إلّا قليلا حتّى جاء نعي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فإذا هو قد قبض في ذلك اليوم وكانت بعد ذلك اليوم ، تثمر دونه في الطّعم والعظم والرّائحة ، وأقامت على ذلك ثلاثين سنة . فلمّا كان ذات يوم أصبحنا فإذا بها قد أشوكت من أوّلها إلى آخرها وذهبت نضارة عيدانها وتساقط جميع ثمرها ، فما كان إلّا يسيرا حتّى وافانا مقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه ، فما أثمرت بعد ذلك قليلا ولا كثيرا وانقطع ثمرها .