أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني

597

تيسير المطالب في أمالى أبى طالب

تنسّك من هجم على ما علم من فزع يوم القيامة من قبل أن يشاهدوها ، فحمّلوا أنفسهم كلّ مجهودها ، وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللّه تعالى توهّموا خروج عنق من النّار ، يحشر الخلائق إلى ربّهم عزّ وجلّ ، وظهور كتاب تبدو فيه فضائح ذنوبهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا ، وتطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا ، وتفارقهم عقولهم إذا غلت بهم مراجل المردّ إلى اللّه عزّ وجلّ غليانا . يحنون حنين الواله في دجى الظّلم ، ذبل الأجسام ، حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ، ذابلة شفاههم خميصة بطونهم ، تراهم سكارى وليسوا بسكارى ، هم سمّار وحشة اللّيالي متخشّعون ، قد أخلصوا للّه أعمالهم سرّا وعلانية . فلو رأيتهم في ليلهم ونهارهم وقد نامت العيون وهدأت الأصوات وسكنت الحركات من الطّير في الوكور ، وقد نهنههم يوم الوعيد ذلك قوله تعالى : أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ [ الأعراف : 97 ] فاستيقظوا لها فزعين ، وقاموا إلى مصافّهم يعولون ، ويبكون تارة ، ويسبّحون ليلة مظلمة بهماء . فلو رأيتهم يا أحنف قياما على أطرافهم ، منحنية ظهورهم على أجزاء القرآن لصلواتهم ، إذا زفروا خلت النّار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم ، وإذا أعولوا حسبت السّلاسل قد صارت في أعناقهم ، ولو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الأرض هونا ، ويقولون للنّاس حسنا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، وإذا مرّوا باللّغو مرّوا كراما . أولئك يا أحنف انتجعوا دار السّلام الّتي من دخلها كان آمنا فلعلّك شغلك