أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني

262

تيسير المطالب في أمالى أبى طالب

وملكها مسلوب وجارها محروب ومن وراء ذلك سكرة الموت وزفرته ، وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل ، فهنالك تبلو كلّ نفس ما أسلفت وردّوا إلى اللّه مولاهم الحقّ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، فيجزى الّذين أساءوا بما عملوا ويجزي الّذين أحسنوا بالحسنى ، ألستم ترون وتعلمون أنّكم في منازل من كان قبلكم كانوا أطول منكم أعمارا وأشهر منكم آثارا ، وأكثر منكم جنودا وأشدّ منكم عمودا ، تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد ، ونزلوا بها أيّ نزول وآثروها أيّ إيثار . فهل بلغكم أنّ الدّنيا سمحت لهم ، بل أهلكتهم بالخطوب ودهمتهم بالقوارع ، وهل صحبتهم إلّا بالتّعسّف وهل أعقبتهم إلّا النّار ؟ ! أفهذه تؤثرون أو فيها ترغبون ، واللّه تبارك وتعالى يقول : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ هود : 15 ، 16 ] بئست الدّار لمن لا ينهنهها ولم يكن فيها على وجل . اعلموا - وأنتم تعلمون - أنّكم لا بدّ تاركوها إنّها كما قال عزّ وجل : لعب ولهو اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ [ الحديد : 20 ] فاعتبروا بمن قد رأيتم من إخوانكم ، صاروا في التّراب رميما لا يرجى نفعهم ولا يخشى ضرّهم ، وهم كمن لم يكن ، وكما قال اللّه عزّ وجلّ : فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا [ القصص : 58 ] استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالأنس غربة ، وبالأهل وحدة ، غير أن قد ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة أو الشّقوة اللازمة .