أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني

179

تيسير المطالب في أمالى أبى طالب

دهشت وذهل عقلي ورأيت منه منظرا هالني ، فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي إليه ورجلا أستأنس إليه ، فإذا أنا بكهل حسن السّمت نظيف الثّوب بين عينيه سيماء الخير ، فقصدته فجلست إليه من غير أن أسلّم عليه أو أسأله عن شيء من أمره لما أنا فيه من الجزع والحيرة ، ومكثت في ذلك مليا ، وأنا مطرق ومتفكّر في حالي فأنشد الرّجل هذين البيتين : تعوّدت مسّ الضرّ حتّى ألفته * وأسلمني حسن العزاء إلى الصّبر وصيّرني يأسي من النّاس واثقا * بحسن صنيع اللّه من حيث لا أدري فاستحسنت البيتين وتبرّكت بهما وثاب عليّ عقلي ، فأقبلت على الرّجل وقلت : له تفضّل أعزّك اللّه تعالى بإعادة البيتين . فقال لي : ويحك يا إسماعيل ولم يكنّني ما أسوأ أدبك وأقلّ عقلك ومروءتك ومن ذلك دخلت إليّ ولم تسلّم عليّ تسليم المسلم على المسلم ، ولا توجّعت لي توجّع المبتلى للمبتلى ، ولا تسألني مسألة الوارد على المقيم ، حتّى إذا سمعت منّي بيتين من الشّعر الّذي لم يجعل اللّه فيه خيرا ولا أدبا ، ولا جعل لك معاشا غيره لم تذكر ما سلف منك فتتلافاه ، ولا اعتذرت ممّا قدّمته وفرّطت فيه من الحقّ حتّى استنشدتني مبتدأ ، كأنّ بيننا أنسا قديما ، ومعرفة سابقة ، وصحبة تبسط المنقبض ، فقلت له : تعذرني متفضّلا فدون ما أنا فيه يدهش ، قال : وفي أيّ شيء أنت إنّما تركت قول الشّعر الّذي كان جاهك عندهم وسبيك إليهم فحبسوك حتّى تقول وأنت لا بدّ من أن تقوله وتطلق ، وإنّي يدعى بي السّاعة فأطلب بعيسى بن زيد بن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فإن دللت عليه فقتل لقيت اللّه بدمه ،