السيد المرعشي

475

شرح إحقاق الحق

يوقع فيه الإمام ، وليس هوى أبي جعفر مع أي منهما . ولا بأس عنده إذا أعجز كل منهما ، أو أحدهما صاحبه . وإن المرء ليلمس خساسة الحيل الظاهرة من أبي جعفر ، باتخاذ العلم والفقه أداة للشر المدبر ، وعظماء العلماء وسائل للإساءة للمسالمين الذين يأمن جانبهم . فلنقس عليها فظاعة تدابيره السرية لمن يخشى العواقب منهم ، ولندرك جلالة الحق إذ ينتصر على الحيلة ، وجلجلة الحقيقة إذ تظهرها وسيلة أريد بها طمس معالمها ، ومكانة الإمام الصادق في العلم إذ يتواضع أمامه العظماء من الفقهاء ، في مجلس علمي يسيطر عليه خليفة عالم . أقدم المنصور الإمام الصادق من المدينة إلى العراق وبعث إلى أبي حنيفة فقال له : إن الناس قد افتتنوا بجعفر ، فهيئ له المسائل الشداد . ويقول أبو حنيفة عن لقائه بعد ذلك : بعث إلي أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته ، فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه . فلما أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلمت عليه ، فأومأ إلي فجلست . ثم التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة . قال جعفر : إنه قد أتانا . ثم التفت إلي المنصور وقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله ( الصادق ) مسائلك . فجعلت ألقى عليه فيجيبني فيقول : أنتم تقولون كذا . وأهل المدينة يقولون كذا . ونحن نقول كذا . فربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على أربعين مسألة . ولقد قال أبو حنيفة في مقام آخر : ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس . وإنما يقصد أبو حنيفة باختلاف الناس الاجتهاد الفقهي للمقارنة بين مذاهب المجتهدين ، فأبو حنيفة - وهو الإمام الأعظم عند أهل السنة - يقرر أن الإمام الصادق أعلم الناس باختلاف الناس في المدينة حيث علم المحدثين ، وفي الكوفة حيث علم أهل الرأي . وكانتا قد بلغتا أوجهما ، على أيدي أبي حنيفة ومالك . وهما التلميذان في