السيد المرعشي

349

شرح إحقاق الحق

فمنهم الفاضل المعاصر الدكتور علي عبد الله الدفاع أستاذ الرياضيات في ظهران في كتابه " إسهام علماء العرب والمسلمين في الليميا " ( ص 102 ط مؤسسة الرسالة ، بيروت ) قال : ينقل لنا إبراهيم الزين في كتابه قصة ظريفة حدثت بين الإمام جعفر الصادق والخليفة العباسي أبو جعفر المنصور هي : أبو عبد الله جعفر الصادق كان إذا التقى بأبي جعفر المنصور يقول الحق تصريحا وتلميحا . ويروى أن ذبابا حام حول وجه المنصور حتى أضجره ، وأبو عبد الله في المجلس ، فقال : يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب ؟ فقال الصادق رضي الله عنه : ليذل به الجبابرة 1 ) .

--> 1 ) قال الفاضل المعاصر الشيخ محمد أبو زهرة في " تاريخ المذاهب الاسلامية " ص 708 ط دار الفكر العربي : وكان المنصور يدعوه إلى لقائه كلما ذهب إلى الحج ، وأحيانا يدعوه ليستمع إليه مجلا محترما ، وأحيانا يدعوه ليذكر له شكوكه أو ظنونه ، متهما ، وفي كلتا الحالتين يخرج وقد زال الريب من قلبه ، ويطمئن إلى أنه لا يعمل للفتنة ولا يبتغيها ، ثم لا يلبث إلا قليلا حتى يساوره الريب وتجري بقلبه الظنون ، ويتقول الذين يحيطون به عليه الأقاويل . ولقد دعاه مرة إلى بغداد عندما بلغه أنه يجبى الزكاة من شيعته وأنه كان يمد بها إبراهيم ومحمدا أولاد عبد الله بن الحسن عندما خرجا عليه . فلما حضر مجلس المنصور قال : يا جعفر ابن محمد ، ما هذه الأموال التي يجبيها إليك المعلى بن خنيس ؟ فقال أبو عبد الله الصادق : معاذ الله ما كان شئ من ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ألا تحلف على براءتك من ذلك بالطلاق والعتاق ؟ فقال : نعم أحلف بالله أنه ما كان من ذلك شئ . فقال أبو جعفر : لا ، بل تحلف بالطلاق والعتاق ، فقال أبو عبد الله : أما ترضى بيميني بالله الذي لا إله إلا هو ؟ فقال أبو جعفر : لا تتفقه علي ، فقال أبو عبد الله : وأين يذهب الفقه مني يا أمير المؤمنين ؟ قال له : دع عنك هذا ، فإني أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عليك حتى يواجهك . . فأتوا بالرجل ، وسألوه بحضرة جعفر ، فقال : نعم هذا صحيح ، وهذا جعفر بن محمد الذي قلت فيه ما قلت ، فقال أبو عبد الله : تحلف أيها الرجل أن هذا الذي رفعته صحيح . . . وقال جعفر : قل أيها الرجل : أبرأ إلى الله من حوله وقوته ، وألجأ إلى حولي وقوتي إني لصادق فيما أقول ، فقال المنصور : إحلف بما استحلفك به أبو عبد الله ، وحلف الرجل بهذه اليمين . وقال راوي الخبر : فلم يستقم الكلام حتى أجذم وخر ميتا ، فراع أبا جعفر ذلك وارتعدت فرائصه ، وقال : يا أبا عبد الله ، سر من غد إلى حرم جدك إن اخترت ذلك ، وإن اخترت المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبرك ، فوالله لا قبلت قول أحد بعدها أبدا . وأبو عبد الله جعفر الصادق كان إذا التقى بأبي جعفر المنصور يقول الحق تصريحا وتلميحا . ويروى أن ذبابا حام حول وجه المنصور حتى أضجره ، وأبو عبد الله في المجلس ، فقال : يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب ؟ فقال الصادق رضي الله عنه : ليذل به الجبابرة ، وإن هذا التلويح بما كان عليه أبو جعفر من استبداد ؟ وما اتسم به حكمه من شدة . وقد كتب إليه المنصور قائلا : لم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فأجابه الصادق : ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك ، ولا نراها نقمة فنعزيك . فكتب : تصحبنا لتنصحنا . فأجابه : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك . وانتهت المكاتبة عند هذا . وقال المنصور بعد الكتاب الأخير : والله لقد ميز عندي من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة ، وإنه ممن يريد الآخرة ، ولا يريد الدنيا . وهكذا نجد أبا جعفر بالنسبة للإمام الصادق بين الشك والاجلال ، وبين الاتهام والتقدير ، يثير الاتهام احترام الناس للصادق وافتتان الناس به ، ويطفئه انصراف الإمام الميمون المبارك إلى الآخرة وتركه شؤون الدنيا وأهلها ، وانتهى أمره إلى الاجلال والتقدير ، وربما ذهب عنه الوسواس بعد أن استقر ملكه ، واستقام أمر الدولة له ، ولم يعد له منافس . ويروى أنه حزن عندما بلغته وفاته ، وبكى حتى اخضلت لحيته ، وقد قال اليعقوبي في تاريخه : قال إسماعيل بن علي : دخلت على أبي جعفر يوما ، وقد اخضلت لحيته بالدموع ، وقال لي : أما علمت ما نزل بأهلك ؟ فقلت : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : فإن سيدهم وعالمهم وبقية الأخيار منهم توفي . فقلت : ومن هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : جعفر بن محمد . فقلت : أعظم الله أجر أمير المؤمنين وأطال الله بقاءه ، فقال لي : إن جعفرا ممن قال الله فيهم : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) وكان ممن اصطفى الله ، وكان من السابقين بالخيرات .