السيد المرعشي

163

شرح إحقاق الحق

وأطاف به أهل الشام ، فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين عليه إزار ورداء أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف بالبيت فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحى له الناس عنه حتى يستلمه هيبة له وإجلالا ، فغاظ ذلك هشاما ، فقال رجل من أهل الشام لهشام : من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة فأفرجوا له عن الحجر ؟ فقال هشام : لا أعرفه . لئلا يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق : وكان حاضرا - لكني أعرفه ، فقال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟ فقال الفرزدق 1 ) :

--> 1 ) لا اعتبار بقول من نسب القصيدة إلى غير الفرزدق بعد تصريح أكابر المحدثين وأساطين المؤرخين أنها للفرزدق الشاعر وذكروا قصتها كما ذكرنا في ج 12 ص 136 إلى ص 149 وج 19 ص 442 إلى ص 446 عن أبي إسحق الحصري القيرواني المالكي في " زهر الآداب " والمجد ابن الأثير الجزري في " المختار في مناقب الأخيار " والشمس السفاريني في " شرح ثلاثيات مسند أحمد " والعلامة باكثير الحضرمي في " وسيلة المآل " والعلامة إبراهيم البيهقي المتوفى سنة 300 في " المحاسن والمساوي " والحافظ الطبراني في " المعجم الكبير " والحافظ الهيتمي في " مجمع الزوائد " والحافظ ابن حجر في " الصواعق " وابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " والعلامة الحضرمي في " رشفة الصادي " والحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية " والحافظ أبو نعيم الأصفهاني في " الحلية " والعلامة ابن حجة الحموي في " ثمرات الأوراق " والعلامة القرماني في " أخبار الدول وآثار الأول " والعلامة سبط ابن الجوزي في " التذكرة " والعلامة الكنجي في " كفاية الطالب " والتاج السبكي في " طبقات الشافعية الكبرى " والعلامة الكمال الدميري في " حياة الحيوان " والعلامة ابن نباته المصري في " سرح العيون " والشيخ أبو محمد اليافعي الشافعي في مرآة الجنان " والعلامة جار الله الزمخشري في " الفائق " والعلامة الزرقاني في " شرح المواهب اللدنية " والعلامة الصديقي الهندي في " مجمع بحار الأنوار " والعلامة العفيف اليافعي في " روض الرياحين " والعلامة الآمرتسري في " أرجح المطالب " والعلامة الخواجة پارسا البخاري في " فصل الخطاب " وأبو المجد ابن أبي الأصبغ العدواني المصري في " بديع القرآن " والعلامة ابن طلحة في " مطالب السؤل " والعلامة البرهان الأنصاري الكتبي في " غرر الخصائص الواضحة " والعلامة الخمراوي في " مشارق الأنوار " والعلامة الهاشمي الأفغاني في " أئمة الهدى " وعلامة اللغة والنسب الزبيدي في " تاج العروس " والشيخ حسن النجار المصري في " الإشراف " والحافظ الراغب الأصفهاني في " محاضرات الأدباء " والعلامة السيد عباس المكي في " نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس " . والعلامة الشيخ أحمد الشافعي الصغير المصري في " تحفة الراغب " والحافظ الشمس الذهبي في " سير أعلام " والشيخ يس السنهوتي الشافعي في " الأنوار القدسية " والعلامة ابن شاكر الشافعي في " عيون التواريخ " والعلامة الشبلنجي في " نور الأبصار " وغيرهم . وهؤلاء الأعاظم كلهم صرحوا بأن القصيدة للفرزدق ، قالها في علي بن الحسين عليهما السلام حين طاف هشام بن عبد الملك بالبيت وأراد أن يستلم الحجر فلم يقدر ، وأقبل علي بن الحسين عليهما السلام يطوف بالبيت ، فلما بلغ موضع الحجر تنحى له الناس عنه واستلمه ، وقال رجل من أهل الشام : من هذا ؟ فقال هشام : لا أعرفه . فقال الفرزدق : وأما أنا فأعرفه ، فقال . . . وقال العلامة عبد القادر بن عمر البغدادي المتوفى سنة 1093 في " شرح أبيات مغني اللبيب " ( ج 5 ص 311 ط دار المأمون للتراث ، دمشق وبيروت ) قال : يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم على أن من فيه للتعليل ، وأورده المصنف والمرادي في شرحه على أن نائب الفاعل ضمير المصدر وهو الاغضاء . قال ابن يعيش : ولا يكون " من مهابته " نائب الفاعل ، لأن المفعول له لا يقوم مقام الفاعل ، لئلا تزول الدلالة على العلة فاعرفه . إنتهى . وكذا في " إعراب الحماسة " لابن جني أيضا ، قال ابن الحاج في نقد " المقرب " لابن عصفور : نص أبو الفتح في " التنبيه " على مشكل " الحماسة " على أن قوله : من مهابته ، ليس نائب الفاعل ، لأنه مفعول له ، وليس مثل : سير بزيد ، لأن بزيد مفعول في المعنى ، وهذا خطأ ، بل كل مجرور يقوم مقام الفاعل ، فيجوز : ذهب مع فلان ، وامتلئ من الماء ، وأغضي من مهابة زيد ، وسير في حال إقامته ، انتهى . نقله أبو حيان في " تذكرته " وله مذاهب قد انفرد بها ، ويغضي بالبناء للفاعل ، وفاعله ضمير راجع على الممدوح علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، كما يأتي ، والاغضاء : إرخاء الجفون ، وحياء : مفعول له ، ويجوز أن يكون نائبا عن المفعول المطلق ، أي : إغضاء حياء ، ويكلم بالبناء للمفعول ، يقول : لا يبدأ الناس بالكلام لهيبته إلا إذا تبسم . والبيت من قصيدة للفرزدق ، قال السيد المرتضى في " أماليه " : أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن عمران المرزباني قال : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثني جدي يحيى بن الحسن العلوي ، قال : حدثنا الحسن بن محمد بن طالب ، قال : حدثني غير واحد من أهل الأدب أن علي بن الحسين حج ، فاستجهر الناس جماله ، وتشوقوا له ، وجعلوا يقولون : من هذا ؟ فقال : الفرزدق : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم أي القبائل ليست في رقابهم * لأولية هذا أو له نعم من يشكر الله يشكر أولية ذا * فالدين من بيت هذا ناله الأمم وفي رواية الغلابي : أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك أو الوليد وهو حديث السن فأراد أن يستلم الحجر ، فلم يتمكن من ذلك لتزاحم الناس عليه ، فجلس ينتظر خلوة ، فأقبل علي بن الحسين ، رضي الله عنهما ، وعليه إزار ورداء ، وهو أحسن الناس وجها ، وأطيبهم ريحا ، وبين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف بالبيت ، فإذا بلغ الحجر ، تنحى عنه الناس حتى يستلمه هيبة له وإجلالا ، فغاظ ذلك هشاما ، فقال رجل من أهل الشام لهشام : من الذي قد هابه الناس هذه الهيبة ؟ فقال هشام : لا أعرفه ، لئلا يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق وكان لذلك حاضرا : لكني أعرفه ، وذكر الأبيات ، وهي أكثر مما رويناه ، وإنما تركناها لأنها معروفة ، فغضب هشام ، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة ، فبلغ ذلك علي بن الحسين رضي الله عنه ، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم ، وقال : اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك ، فردها الفرزدق ، وقال : يا بن رسول الله ما قلت الذي قلت إلا غضبا لله ولرسوله ، وما كنت لأرزأك عليه شيئا ، فردها إليه وأقسم عليه في قبولها ، وقال له : قد رأى الله مكانك ، وعلم نيتك ، وشكر لك ، ونحن أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه ، فقبلها ، وجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو في الحبس ، فمما هجاه به قوله : تحبسني بين المدينة والتي * إليها رقاب الناس يهوي منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها هذا آخر ما رواه المرتضى رضي الله تعالى عنه ، وكذا أورد القصة وهذه الأبيات إبراهيم الحصري في " زهر الآداب " ، وقد أورد السيوطي القصيدة برواية ابن عائشة من طريق ابن عساكر ، والقصة كقصة الغلابي ، وألفاظها سواء ، وهي هذه : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * . . البيت هذا علي رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم هذا ابن خير عباد الله كلهم . . البيت إذا رأته قريش قال قائلها . . البيت ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته . . البيت في كفه خيزران ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته . . البيت من جده دان فضل الأنبياء له * وفضل أمته دانت له الأمم ينشق نور الهدى عن حسن غرته * كالشمس ينجاب عن إشراقها العتم مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا الله شرفه قدما وفضله * جرى بذاك له في لوحه القلم سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه خلتان الخلق والكرم من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم يستدفع السوء والبلوى بحبهم * ويسترب به الاحسان والنعم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير خلق الله قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد أسد الشرى والبأس يحتدم لا يقبض العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا من يعرف الله يعرف أولية ذا * الدين من جد هذا ناله الأمم إن تنكروه فإن الله يعرفه * والعرش يعرفه واللوح والقلم وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم هذا آخر ما أخرجه ابن عساكر من رواية ابن عائشة ، وقد أوردها العيني أيضا في باب النائب عن الفاعل ، وفيها أبيات غير مذكورة فيما تقدم وهي : كلتا يديه غياث عم نفعهما * تستوكفان ولا يعروهما عدم حمال أثقال أقوام إذا فدحوا * حلو الشمائل يحلو عنده نعم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته * رحب الفناء أريب حين يعتزم عم البرية بالاحسان فانقشعت * عنها العنانة والاملاق والعدم يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم * خيم كريم وأيد بالندى هضم وفيها من رواية أخرى : ما قال لاقط إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاءه نعم من ذا يقاس بهذا في مفاخرة * إذا بنو هاشم في ذلك اختصموا وقد أوردها أيضا محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون في " منتهى الطلب من أشعار العرب " وذكر قصتها كما تقدم . وقال : رواها لي أبو معمر الأنصاري ، رحمه الله تعالى ، متصلة الإسناد إلى الفرزدق ، وشذ عني إسنادها وهي : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحجر والحرم هذا علي رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم هذا الذي عمه الطيار جعفر * والمقتول حمزة ليث حبه قسم هذا ابن فاطمة الغراء ويحكم * وابن الوصي الذي في سيفه النقم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله . . البيت هذا ابن خير عباد الله كلهم . . البيت وبعد ، هذا ما رواه ابن عائشة . ورواه أيضا علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري الأصل الواسطي بلدا في " الحماسة البصرية " كرواية ابن عائشة وفيها : لو يعلم البيت من قد جاء يلثمه * لظل يلثم منه ما وطي القدم ما قال لاقط إلا في تشهده . . البيت وقد اختلف في بعض أبيات هذه القصيدة ، فنسب إلى غير الفرزدق في مدح زين العابدين أيضا ، وقيل في غيره ، ففي " الحماسة " لأبي تمام : وقال الحزين الليثي في علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . البيت إذا رأته قريش قال قائلها . . البيت يكاد يمسكه عرفان راحته . . البيت أي القبائل ليست في رقابهم . . البيت بكفه خيزران ريحها عبق . . البيت يغضي حياء ويغضى من مهابته . . البيت وأورد هذه الأبيات فقط الأعلم في " حماسته " وقال الحزين الليثي في علي بن الحسين رضي الله عنهما ، ويقال : قالها في عبد الله بن عبد الملك بن مروان ، وكان حسن الوجه والمذهب ، ويقال : إن بعض هذه القصيدة للفرزدق في علي بن الحسين ، وبعضها لجرير ، وبعضها لداود بن سلم يمدح قثم بن العباس ، ويقال : هي لكثير السهمي يمدح عبد الملك بن مروان . إنتهى . وكثير بالتصغير كدريهم ، وقال الآمدي في " المؤتلف والمختلف " : ومنهم كثير بن كثير السهمي ، أنشد له دعبل بن علي في كتابه في محمد بن علي بن الحسين بن علي رضوان الله عليهم أجمعين : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . البيت هذا ابن خير عباد الله كلهم . . البيت إذا رأته قريش قال قائلها . . البيت يكاد يمسكه عرفان راحته . . البيت قال الآمدي أيضا في ترجمة الحزين : منهم الحزين الكناني ، واسمه عمرو بن عبد وهيب ابن مالك بن حريث بن جابر بن راعي الشمس الأكبر بن يعمر بن عبد بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة . قال الزبير بن بكار : إنما سموا رعاة الشمس ، لأن الشمس لم تكن تطلع في الجاهلية إلا وقدورهم تغلي للضيف ، ولذلك يقول الحزين : أنا ابن ربيع الشمس في كل شدة * وجدي راعي الشمس وابن غريب وكان الحزين شاعرا محسنا متمكنا ، وهو القائل في عبد الله بن عبد الملك ووفد إليه إلى مصر وهو واليها يمدحه في أبيات : لما وقفت عليه في الجموع ضحى * وقد تعرضت الحجاب والخدم حييته بسلام وهو مرتفق * وضجة القوم عند الباب تزدحم في كفه خيزران ريحها عبق . . البيت يغضي حياء ويغضى من مهابته . . البيت وكذا أوردها صاحب " زهر الآداب " للحزين في عبد الله بن عبد الملك ، وكذا قال ابن أبي الإصبع في " تحرير التحبير " وفي " الحماسة البصرية " . قال الحزين الكناني ، وهو أموي الشعر : لما وقفت عليه والجموع ضحى . . البيت حييته بسلام وهو مرتفق . . البيت في كفه خيزران . . البيت لا يخلف الوعد ميمون نقيبته . . البيت كم صارخ بك من راج وراجية * يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم انتهى . فرواها مدحا في قثم بن العباس ، لا في عبد الله بن عبد الملك . قال الأصفهاني في " الأغاني " : الحزين الكناني من شعراء الدولة الأموية ، حجازي مطبوع ، وكان هجاء خبيث اللسان ، لا يرضيه اليسير ، ويكتسب بالشعر ، وهجاء الناس ، وليس ممن خدم الخلفاء ، ولا انتجعهم بمدح ، ولا كان يريم الحجاز حتى مات ، حدث الزبير بن بكار عن عمه أن عبد الله بن عبد الملك ، وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم ، وكان حسن الوجه والمذهب ، لما حج قال له أبوه : سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة ، وهو ذرب اللسان ، فإياك أن تحتجب عنه ، فلما كان في المدينة دخل الحزين عليه ، فلما صار بين يديه ، رأى جماله وبهاءه ، وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتا ، فأمهله عبد الله ، ثم قال : السلام عليك ورحمة الله أولا ، فقال : وعليك السلام ، ثم قال : وحيا الله وجهك أيها الأمير ، إني قد كنت مدحتك بشعر ، فلما دخلت عليك ، ورأيت جمالك وبهاءك ، أذهلني عنه ، فأنسيت ما قد كنت قلته ، وقد قلت في مقامي هذا بيتين ، فقال : ما هما ؟ قال : في كفه خيزران . . البيت . يغضي حياء . . البيت . فأجازه ، فقال : أخدمني أصلحك الله ، فقال : اختر أحد هذين الغلامين ، فأخذ أحدهما ، فقال له عبد الله : أعلينا تبقي ! خذ الآخر ، والناس يروون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التي مدح بها علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما التي أولها : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . البيت وهذا غلط من الرواة ، وليس هذان البيتان مما يمدح به مثل علي بن الحسين عليهما السلام ، لأنهما من نعوت الجبابرة والملوك ، وليس كذلك ، ولا هذه صفته عليه السلام ، وله من الفضل ما ليس لأحد . وأما الأبيات التي للفرزدق فيه ، فحدثني أحمد بن أبي الجعد ، ومحمد بن يحيى قالا : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال : حدثنا ابن عائشة قال : حج هشام بن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه ومعه رؤساء أهل الشام ، فجهد أن يستلم الحجر ، فلم يقدر من الزحام ، فنصب له منبر ، فجلس عليه ينظر إلى الناس ، وأقبل علي بن الحسين ، وهو أحسن الناس وجها ، وأنظفهم ثوبا ، وأطيبهم رائحة ، فطاف بالبيت ، فلما بلغ إلى الحجر ، تنحى الناس كلهم ، وأخلوا الحجر ليستلمه هيبة وإجلالا له ، فغاظ ذلك هشاما ، وبلغ منه ، فقال رجل لهشام : من هذا أصلح الله الأمير ؟ قال : لا أعرفه ، وكان به عارفا ، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق ، وكان لذلك كله حاضرا : أنا أعرفه ، فسلني يا شامي ، قال : ومن هو ؟ قال : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . البيت هذا ابن خير عباد الله كلهم . . البيت إذا رأته قريش . . البيت وليس قولك من هذا . . البيت أي الخلائق . . البيت ليست . . البيت من يعرف الله . . البيت فحبسه ، فقال الفرزدق : أيحبسني بين المدينة والتي . . البيتان فبعث إليه هشام فأخرجه ووجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم ، وقال : اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به ، فردها وقال : ما قلت ما كان إلا لله عز وجل ، وما كنت لأرزأ عليه شيئا ، فقال له : قد رأى الله مكانك ، فشكر لك ، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه ، فأقسم عليه ، فقبلها . ومن الناس من يروي هذه الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس ، ومنهم من يرويها لخالد بن زيد مولى قثم فيه ، فمن رواها لداود في قثم أو لخالد فيه ، فهي في روايته : كم صارخ بك من راج وراجية * يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم أي العمائر ليست في رقابهم * لأولية هذا أو له نعم في كفه خيزران . . البيت يغضي حياء . . البيت وممن ذكرها له محمد بن يحيى الغلابي عن مهدي بن سابق داود بن سلم قال هذه الأبيات الأربعة في قثم بن العباس ، وأن الفرزدق أدخلها في أبياته في علي بن الحسين عليهما السلام ، سوى البيت الأول ، وذكر الرياشي عن الأصمعي أن رجلا من العرب يقال له داود وقف لقثم ، فناداه : يكاد يمسكه عرفان راحته . . البيت كم صارخ بك من راج وراجية . . . البيت فأمر له بجائزة سنية ، والصحيح أنها للحزين في عبد الله بن عبد الملك ، وقد غلط ابن عائشة في إدخاله البيتين في تلك الأبيات ، وأبيات الحزين مؤتلفة منتظمة المعاني متشابهة ، تنبئ عن نفسها وهي : الله يعلم أن قد جئت ذا يمن * ثم العراقين لا يثنيني السأم ثم الجزيرة أعلاها وأسفلها * كذاك تسري على الأهوال بي القدم ثم المواسم قد أوطئتها زمنا * وحيث تحلق عند الجمرة اللمم قالوا دمشق ينبئك الخبير بها * ثم ائت مصر فثم النائل العمم لما وقفت عليها والجموع ضحى . . البيت حييته بسلام . . البيت في كفه خيزران . . البيت يغضي حياء . . البيت ترى رؤوس بني مروان خاضعة * يمشون حول ركابيه وما ظلموا إن هش هشوا له واستبشروا جذلا * وإن هم أنسوا إعراضه وجموا كلتا يديه ربيع غير ذي خلف * فتلك بحر وهذي عارض هزم ومن الناس من يقول : إن الحزين قالها في عبد العزيز بن مروان لذكره دمشق الشام ومصر ، وقد كان عبد الله بن عبد الملك أيضا ولي مصر والحزين بها ، حدثني الجرمي ، قال : حدثنا الزبير ، قال : حدثني محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد العزيز بن عمران الزهري قال : وفد الحزين على عبد الله بن عبد الملك وهو عامل مصر فأتي برقيق من البربر والحزين عنده ، وفي الرقيق أخوان ، فقال عبد الله للحزين : أي الرقيق أعجب إليك ؟ قال : ليختر لي الأمير ، فقال عبد الله للحزين : قد رضيت لك هذا ، لأحدهما ، فإني رأيته حسن الصلاة ، فقال الحزين : لا حاجة لي به ، فأعطني أخاه ، فأعطاه إياه ، فقال يمدحه : الله يعلم أن قد جئت ذا يمن وذكر القصيدة بطولها ، هذا آخر ما رواه صاحب " الأغاني " . قال العيني : ورأيت في كتاب " أولاد السراري " تأليف المبرد نسبة بعض هذه الأبيات إلى أبي دهبل حيث قال : ومما نمي لنا عنه ، أي : عن زين العابدين أنه مر بمساكين جلوس في الشمس يأكلون على مسح ، فسلم عليهم ، فردوا عليه ، وقالوا : هلم يا بن رسول الله ، فنزل ، وقال : الله لا يحب المتكبرين ، فأصاب معهم ، ثم قال : قد دعوتم فأجبنا ، ونحن ندعوكم ، فمضوا معه إلى منزله ، فأطعمهم طعامه ، وقسم بينهم كل ما كان عنده ، وفيه يقول أبو دهبل - فيما روي - هذه الأبيات : هذا الذي تعرف البطحاء . . البيت هذا ابن خير عباد الله . . البيت إذا رأته قريش . . البيت فأما ما يزاد في هذا الشعر بعد هذه الأبيات ، فليس منها ، إنما هو لداود بن سلم يقوله في قثم ابن العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنهم : يغضي حياء . . البيت في كفه خيزران . . البيت كم صارخ بك من راج وراجية . . البيت انتهى . وقد طال الكلام في ذكر ما يتعلق بها من الخلاف في بعض أبياتها ، ومن هنا نشرع في غريبها . قوله : يكاد يمسكه عرفان راحته ، قال أبو علي في " المسائل البصرية " : ينبغي أن يجعل عرفان مفعولا له ، وركن الحطيم : فاعل " يمسك " ، وتضيف المصدر إلى المفعول ، وتحذف الفاعل ، أي : عرفان الركن راحته ، كما حذف في * ( بسؤال نعجتك ) ( ص / 24 ) وهذا أوضح في المعنى ، وإن شئت قلت : يمسكه عرفان راحته ركن ، فجعلت العرفان فاعل يمسك ، وأضفت المصدر إلى الفاعل وهو الراحة ، ونصبت الركن مفعولا به ، كأنه يمسكه هذا المعنى لا الركن ، أي : هذا المعنى كاد يلبثه في هذا الموضع ، ويجعله أحق به من غيره ، وهذا يحسن إذا كان أكثر لمس الركن بيده ، أي : فصار لكثرة ذلك منه عرفت راحته الركن ، فنسبت المعرفة إلى الكف ، وإن لم يكن لها في الحقيقة إنما هو للانسان ، ويجوز عرفان راحته ركن ، يكون العرفان فاعل يمسك ، وراحته مفعوله ، والركن فاعل العرفان ، أي : يكاد يمسكه أن عرف الركن . وهذا الوجه أقرب إلى الوجه الأول ، وأشبه بالمعنى من الوجه الثاني . إنتهى . قوله : هذا الذي تعرف البطحاء ، هي أرض مكة المنبطحة ، وكذلك الأبطح ، وبيوت مكة التي هي للأشراف بالأبطح التي هي في الروابي ، والجبال للغرباء وأوساط الناس ، والحطيم : الجدار الذي عليه ميزاب الرحمة . وقوله : يغضي حياء . . الخ ، قال ابن عبد ربه في أول " العقد الفريد " : قال ابن قتيبة : لم يقل في الهيبة مع التواضع بيت أبدع من قول الشاعر في بعض خلفاء بني أمية : يغضي حياء ويغضى من مهابته . . البيت وأحسن منه عندي قولي : فتى زاده عز المهابة ذلة * وكل عزيز عنده متواضع انتهى . وأقول : بل هجنه قوله : " ذلة " وقوله : ينمى إلى ذروة الخ . بالبناء للمفعول من نميته إلى أبيه . أي : نسبته ، وانتمى : انتسب ، وذروة الشئ : أعلاه ، وقوله : في كفه خيزران . . الخ . قال الجاحظ في كتاب " البيان " : كانت العرب تخطب بالمخاصر ، وتعتمد على الأرض بالقسي ، وتشير بالعصا والقنا ، حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها ، ولذلك قال : في كفه خيزران . . البيت ، وعبق : وصف من عبق به الطيب كفرح : إذا لزق به . قال أبو بكر الزبيدي في كتاب " لحن العامة " : العرب تسمي كل قضيب لدن ناعم خيزرانا ، بضم الزاي ، وذكر بعض اللغويين أنه ليس من نبات أرض العرب . إنتهى . والأروع : الذي يروعك جماله وجلاله ، والعرنين من كل شئ : أوله ، ومنه عرنين الأنف لأوله ، وهو ما تحت مجتمع الحاجبين ، وهو موضع الشمم ، وهو ارتفاع الأنف ، وشممه كناية عن العزة ، وقوله : كالشمس الخ . انجابت السحابة : انكشف ، والعتم بفتح العين المهملة والمثناة : ظلمة الليل ، والخيم بكسر الخاء المعجمة : السجية ، والبوادر جمع بادرة : وهي الحدة والغضب من قول أو فعل ، والخلة بالفتح : كالخصلة وزنا ومعنى ، ويسترب بمعنى يرب ، يقال : رب زيد الأمر ربا من باب نصر : إذا ساسه ، وقام بتدبيره ، والأزمة : الشدة ، وأزمت : اشتدت ، والشرى : طريق في سلمى كثيرة الأسد ، وجبل بتهامة كثير السباع ، وتحتدم بالدال المهملة : تلتهب ، شبه البأس والحرب بالنار ، وتستوكفان : تمطران ، وعدم بفتحتين : قلة وفقر ، ويعروهما : يحدث لهما ، وفدحوا بالبناء للمفعول من فدحه الدين : إذا أثقله وأعجزه ، والنقيبة : النفس ، والفناء بالمد والكسر : ساحة الدار توسع للأضياف ، والأريب : البصير بالشئ ، ويعتزم : يهم بالشئ ، ويعزم عليه ، والعنانة ، بفتح العين المهملة بعدها نونان بينهما ألف : السحابة ، والاملاق : الفقر ، والظلم : جمع ظلمة ، وهضم بضمتين جمع هضوم ، وهي اليد التي تجود بما لديها ، وقوله : كانت لاؤه نعم ، مدلا ، لأنه أراد الاسم ، ونصبها على الخبر لكان .