نزار المنصوري
54
النصرة لشيعة البصرة
فضموا أصواتهم إلى صوته ، وبذلوا الأموال التي كانوا قد نهبوها من الأمصار والولايات تأييدا للمعارضة وإفسادا لأمر الإمام عليّ عليه السّلام ، واقبلوا من كلّ حدب وصوب إلى مكّة يعينون عائشة في إثارة الجماهير ويحتجون في ذلك بدم عثمان . وتم لعائشة جيش في مكّة عدته بضعة ألاف « 1 » ، واختلف رؤساء القوم في طريق الزحف وكيف يتجهون أول الأمر ، ومن تتبع أخبار زعماء المعارضة في هذه المرحلة ، وتقصى ما يريد كلّ منهم بهذا الزحف الذي يتشاورون فيه ، أدرك أنّ هؤلاء لم يجتمعوا للمطالبة بدم عثمان كما يزعمون ، ولا لإصلاح الأمر الذي لم ينهض الإمام عليّ عليه السّلام لإصلاحه كما يدّعون ، ولا لشيء يتظاهرون به وبه يخطبون الناس ويؤلبون الجماهير ، بل اجتمعوا وكل منهم ينظر إلى الأمر من جهته الخاصة ، يريد انتقاما لأمل ضائع في الخلافة ، أو لرأي شخصي يراه في الإمام عليّ عليه السّلام أو لمجد عائلي يراه قد انهار ولا سبيل إلى استعادته والإمام عليّ عليه السّلام هو الخليفة . أمّا عائشة ، فقد كان هواها في أن يتجهوا توّا إلى المدينة عاصمة الخلافة لتقويض خلافة الإمام عليّ عليه السّلام قبل أن يتمكن من تعبئة جيش يقابل به جيش مكّة ، واعترض بعضهم قائلا : بل نقصد الشام ، فاندفع بنو أميّة صفا واحدا في إسقاط هذا الرأي ، ذلك لأنّ الأمويين جميعا ينزعون عن رأي واحد هو إبعاد الخطر عن الولايات التي تثبت بها أقدامهم ، فهم يعلمون أن الأمر مستتب لمعاوية في الشام لذلك يسعون في ألّا يجعلوا أرض الشام موطئا لسنابك الخيل ، وفي أن يبقوا عليها موئلا لهم إذا هم انهزموا أمام الإمام عليّ عليه السّلام في المعركة المقبولة ، ومعاوية على كلّ حال ، يضع الحجر الأساس للملك الأموي ، فلماذا يعرقلون مسعاه ، ولماذا لا يشغلون عليّا عليه السّلام وخصومه من أهل الحجاز والعراق بمواقع
--> ( 1 ) عليّ وعصره لجورج جرداق : 4 / 202 .