نزار المنصوري
354
النصرة لشيعة البصرة
قربانا يجود بها ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود . وقد سمح لنفسه أيضا أن يجود بها حينما جاء عمرو بن ود ينادي : يا رجال محمّد ! هل من مبارز ؟ يا أصحاب محمّد أين جنتكم التي زعمتم أنكم داخلوها إذا قتلتم ؟ أفلا يريدها رجل منكم ؟ أما منكم من يقدم ؟ هذا ، والمسلمون مشفقون صامتون كأنما على رؤوسهم الطير ، والنبيّ يحثهم ويقول : من منكم يبرز وأنا أضمن له على اللّه الجنة ؟ فلم يجد من القوم من يلبي دعوته غير أبي الحسن عليّ متوسلا إليه : ائذن لي يا رسول اللّه ، فيخاف النبيّ عليه ويقول : إنه عمرو يا عليّ ، فيرد عليّ : وليكن عمروا . وأخيرا - يخلّي النبيّ بينه وبين مراده فيبرز إليه فرحا مسرورا كأنما أصاب بهذا الاذن خير دنياه ، والنبي يقول : برز الإيمان كله إلى الشرك كله ، وأخذ النبيّ يردد : إلهي إن قتل عليّ لا تعبد ، وإن شئت أن لا تعبد ، لا تعبد . . . وما هي إلّا لحظات تعالى فيها الغبار ، فارتفع صوت أمير المؤمنين عليه السّلام بالتهليل والتكبير ، وإذا الموقف ينجلي للمسلمين بعد قليل ، فإذا عيونهم ترى شيئا عجبا أذهل عقولهم ، وأطار ألبابهم ، وإذا عمرو ذلك البطل الذي يخافون صولته ، قد هدته الضربة الحيدرية ، فوقع يتخبط في الأرض كالثور الذبيح ، فعلا بذلك هتاف المسلمين بهذا النصر المبين . سادتي الكرام هذه ناحية من مواقف الإمام عليّ عليه السّلام المشرفة مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وهي من أروع المثل العليا ، وغاية في التضحية ، رفعته على سائر الناس لا يسبقه إلى الفضل سابق ، ولا يلحق بغباره لا حق ، يترددون ولا يحجم ، وينكصون ويتقدم ، يسير النصر أمامه ، ويسدد التوفيق أقدامه . كل هذا وعليّ عليه السّلام لا يدخله زهو وكبرياء على الناس - فحاشاه من ذلك - وهو الذي زهد في الدنيا ونعيمها ، فأسلمت له الزمام ذلولا فلم تغره فيزهو بها حينما