الرزينة ر . لالاني ( مترجم : سيف الدين القصير )

28

الفكر الشيعي المبكر ( تعاليم الامام محمد الباقر )

غير أن مسألة المسؤولية الأخلاقية أو الإنسانية استمرت تثير قلق الأمة . ومنذ حوالي سنة 70 ه / 690 م ، أيدت القدرية ، وهي التي سمّيت كذلك لأنها ناقشت معنى المصطلح القرآني « قدر » ، بصورة أو بأخرى ، مبدأ حرية الإرادة ، معتقدة أن الإنسان هو خالق أفعاله ، وأن الإرادة الإنسانية حرة . ويبدو أن مصطلح « قدري » قد استخدم بمعان متعددة من قبل أناس متنوعين . وفي البصرة ، كانت القدرية مدرسة دينية ( كلامية ) ، أما في سوريا فشكلت القدرية حركة أيدت القول بأن الحاكم مسؤول عن أفعاله ، وأنه إذا ما كان مذنبا بالفسق وسوء السلوك فعليه التخلي عن منصبه ، أو تجب إقالته . تمثّل ردّ الفعل على وجهة النظر هذه بظهور « الجبرية » التي اعتقدت أن أفعال الإنسان بكاملها مقرّرة مسبقا ( أي جبرية لا خيار للإنسان فيها ) . واتخذت مواقف لهذا الغرض أو ذاك ، إضافة إلى هذه الحركات أو « المدارس » ، تجاه حالات إشكالية قام بها أفراد ذوو تأثير أكبر أو أقل من أمثال الصحابة والمتصوفة والقادة السياسيين . في مثل هذا المحيط ، كان الإمام الباقر يرد على التساؤلات الكثيرة التي كان يطرحها عليه الشيعة وغير الشيعة على السواء . ووجدت ، إبان زمن الباقر ، مجموعات عديدة لم تكن راضية عن حكامها . فالمتديّنون أقلقتهم ، بلا شك ، حال الأمور التي غرق فيها المجتمع . وقد مقتوا على نحو خاص ، أولئك الحكام الذين أسسوا من خلال أتباعهم نموذج حياة مترفة ، مثالا غير مرغوب فيه للآخرين ، مجيزين بهذا الشكل ما كرهه الدّين . وكانت المدينتان التوأمان ، مكة والمدينة - ولا سيما مكة - قد تحولتا إلى مركزين للترف والرفاهية انصبّت فيهما الثروة والفتيات المغنيات من الأراضي المفتوحة . وقد دفع هذا الأمر بالكثير من الناس إلى الانغماس في ألعاب من الزمن الغابر كالشطرنج والنرد وأحجار النرد ، وفي عادات مثل شرب المسكرات والقمار . ولم يمض وقت طويل ، في ظل هذا المناخ ، حتى عاد الشعر إلى الظهور مرة أخرى ، ولا سيما أشعار الغزل كتلك التي لعمر بن أبي ربيعة في مكة ، وجميل بثينة في المدينة . ثمة سبب آخر للانتشار الواسع للسخط والاستياء ، تمثّل في انقسام المجتمع