محمد سعيد الطريحي

126

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

الشيخ العالم الكبير العلامة ، اعلم وزراء الدولة التيمورية وأكبرهم في الحدس والفراسة وإصابة الرأي وسلامة الفكر وحلاوة المنطق والبراعة في الإنشاء . ولد ليلة الأحد سادس شهر المحرم سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وكان أبوه المبارك قد فتح له أبواب خزائن العلم منذ نعومة أظفاره ، فتعلم الخط والحساب والإنشاء واشتغل بالعلم ، وقرأ أياما في العربية على صنوه الكبير أبي الفيض بن المبارك وعلى أبيه ، وفرغ من تحصيل العلوم المتعارفة في الخامسة عشر من سنه ، ثم أقبل على العلوم الحكمية إقبالا كليا ، واستفاد بعض الفنون عن الشيخ حسن على الموصلي ، ودرس وأفاد نحو عشر سنين حتى فاق فيه أهله المنسوبين إليه ، ودعاه السلطان أكبر بن همايون التيمورى بمدينة أكبر آباد مع والده ، فأدركه في حدود سنة إحدى وثمانين وتسعمائة مرة أولى ، وأهدى إليه كتابه في تفسير آية الكرسي ، ثم أدركه في حدود سنة اثنتين وثمانين مرة أخرى ، وأهدى إليه كتابه في تفسير سورة الفتح فاستحسنه السلطان وقربه إلى نفسه ، فتدرج إلى نهاية القرب حتى نال الوزارة الجليلة . كان من الطبيعي أن يجد مثل هذا العالم الترحيب والرعاية عند سلطان شغوف بالدرس والتحصيل بدوره مثل جلال الدين أكبر حين قدموه إليه عام 981 ه - 1574 م . وفي هذا يقول أبو الفضل في كتابه أكبر نامه الذي ضمنه تاريخ التيموريين : « لقد زاد كثرة تلاميذي من الغرور في نفسي ، ودفع بي الإمعان في الدرس والتحصيل إلى طلب العزلة . ولكم كنت أشعر بالسعادة والرضا وأنا أقضي الليالي منفردا بطلاب الحق والباحثين عن الحقيقة المجردة بما يعمر ذهني ويشرح صدري ، لتتفتح من بعد ذلك عيني على مدى الأنانية والجشع الذي يكمن في نفوس من يدعون العلم والمعرفة . ولكم كنت أشتاق للوقوف على الحكمة عند المغول ودروز لبنان أو مناظرة لا مات التبت وقساوسة البرتغال والاستماع إلى كهنة البارسيين وحملة الأبستاق . ولقد ضقت ذرعا بعلماء بلادي حتى نصحني أخي وبعض أقاربي آخر الأمر بأن ألتحق بالبلاط ، وقد أملوا بذلك أن أجد عند السلطان الهداية مثل الفكر السنية . ولئن كنت قد عارضتهم في ذلك أول الأمر إلا أني وجدت ، لحسن طالعي ، من بعد ذلك ، في السلطان خير رائد ومرشد لي في دنيا الواقع مما بعث السكينة في نفسي وأشاع الطمأنينة في وجداني . ففيه اجتمع لي