فؤاد ابراهيم

97

الشيعة في السعودية

في هذه الأثناء أيضا بدأ التنظير لولاية الفقيه التي لا يكاد فقيه شيعي في تلك الفترة إلا أعطى فيها رأيا ، وقد توّجت هذه المرحلة بأطروحة ولاية الفقيه المطلقة كعائدة من ( عوائد الأيام ) للفقيه الشيخ النراقي « 29 » . وقد نقلت هذه الأطروحة كل خصائص الإمام وامتيازاته للفقيه ، حتى غدا المرجعية الكبرى لكل فقهاء الشيعة اللاحقين الذين نظّروا لولاية الفقيه التي هي الأساس الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية في إيران . وإذا استثنينا مرحلة النشاط الدستوري في إيران برغم وجود القيادة في النجف ، باعتبارها مرحلة مستقطعة لم تترك تأثيراتها في حركة الفقه والاجتهاد إلا بصورة متأخرة ، تمثّل قطعا للنسق التاريخي لتطور حركة الفقه ، فإن الرحلة التي قطعها الفقيه الشيعي خلال ما يربو على عشرة قرون ، توجت بإقامة الدولة الإسلامية بوصفها واجبا شرعيا دينيا . فللمرة الأولى نرى أن حكما فقهيا يبدأ بالحرام وينتهي بالوجوب ، وهذا الحكم لم يتكرر - إلا في الحالات الاستثنائية كشرب الخمر للخائف على نفسه من الموت عطشا ، أو أكل لحم الميتة للخائف على نفسه من الموت جوعا . مما سبق ، يتبين أن التاريخ الطويل من الاستقالة الشيعية قابله هدم هادىء ومتسلسل للنسق التأويلي للنص الإمامي ، تمهيدا لحلول نص آخر وسلطة بديلة . إن فترة قصيرة من النضال السياسي الثوري كانت كفيلة بتدشين تاريخ جديد للتشيّع . فبينما كان التشيّع التقليدي بنزعته الانتظارية المستقيلة يبسط ذراعيه على مجمل حركة المجتمع الشيعي ، بدأت قنوات اكتشاف الذات تتفجر من حافات التشيّع التقليدي ، في مسعى لإنتاج قراءة ثورية للنص الشيعي ، واستكمال شروط تحويل التشيّع إلى أيديولوجيا النضال ضد السلطة من أجل إطاحتها ، عن طريق الجماهير التي سحرتها لغة التشيّع في شكلها الثوريّ التقدمي كما صبّها اليسار الشيعي ، أو المتنورون الدينيون في حوزتي النجف وقم ، والذين يردّ فضل الاهتزازات في الوعي السياسي الشيعي إلى جهودهم الفكرية .

--> ( 29 ) ولاية الفقيه ، بحث من كتاب ( عوائد الأيام ) للمولى النراقي ، منظمة الإعلام الاسلامي ، ( طهران ، 1990 )