فؤاد ابراهيم

88

الشيعة في السعودية

يجب ألّا يكون بالتقرير سلفا نفيه مطلقا ولا التسليم به مطلقا أيضا . ولربما سهّل كل من الفريقين ( التسليميين والنبذيين ) مهمة التعامل معهما ، إذ على الأقل نعلم من وضوح موقفهما ما هم عليه من رأي ، ولكن تبدو المهمة صعبة مع اتجاه يكاد من فرط بهلوانيته ، يفقدنا الصواب في تحديد هويته ، وموقفه ، وموقعه . إنه ، في أي معتقد نشأ ، يمثل خطرا بالغا عليه إذ يقوم بعملية تضليل واسعة ومتقنة من طريق إعادة تفسير النصوص الفاسدة ( نقلا وعقلا ) بدل رفضها ، وعقد مصالحة مع الخرافة من خلال الانشغال المفرط في إعادة إنتاج النص في شكل آخر متطور ، وهذا الاتجاه يتسلل بين اتجاهات ثلاثة ، فهو تسليمي ، ونبذي ، ونقدي ، بحيث تضيع ملامحه وشخوصه أيضا . لذلك لا غرابة أن تجد أشخاصا يتبنون رأيا تقدميا وآخر شديد التخلف . ولعل أكثر من أصيب بهذا الداء هم المشغولون بالعمل السياسي ، والذين يطمعون في جني ثمار السياسة وإن تطلب الأمر ترسيخ الاعتقادات المنحرفة . إن الموقف من التراث ، كما الموقف من الماضي ، لا يمكن التفكير في الحاضر والمستقبل دون الانطلاق من الماضي الذي نما وأنتج حاضرا سيكون في المستقبل ماضيا ، فالتراث الذي نرثه في حاضرنا يشترك في صوغ المستقبل ، وكلهم بالنسبة للأخير ماض . وسيظل التراث الشيعي بقديمه وجديده مادة بحث خاضعة للفحص الدائم ، ويجب أن يبقى كذلك . في الوقت ذاته ، يلزم التشديد على أن من الخطأ الفادح تصوّر أن مهمة التجديد تعني زعزعة القواعد الإيمانية التي تنذر الأتباع بالعجز والتيه ، فالتجديد مهما بلغ عنفوانه وجنوحه لا يصل عند نقطة الانفلاش ، وإنما مهمته المركزية تكمن في صنع أسئلة لكيفية التصرف والمراهنة على معتقد ما في المستقبل ، أي توفير شروط البقاء والاستدامة للمعتقد ، ووصله بالمستقبل ، ولكن بعد بتر الأفكار غير الصالحة منه ، أو التي كانت صالحة في وقت ما دون غيره ، أو التي انطلقت لأغراض محدودة . فالتشيّع كباقي العقائد الدينية والوضعية رهن نفسه لتفسيرات أيديولوجية في أزمنة سابقة ثم انفصل عنها ، أو جرت عملية فصل جراحية كضرورة كيانية وحياتية لاستمرار المعتقد .