فؤاد ابراهيم

81

الشيعة في السعودية

صدقية الدعوات ويبقيها ضمن خط العودة إلى الذات . ذلك أن الدخول إلى حلبة المصالحة الفكرية يتطلب روحا جديدة ، لا تقبل التعويل على ثنائية متضادة : مع الحوار والتسامح في العلن ، ومع شحن الذات بالمادة الخصامية في السر ! لا تقف مسؤولية العلماء عند حد إشاعة أفكار تسامحية ، بل تتأكد هذه المسؤولية في قدرة العلماء على نقد الذات قبل الانشغال بالآخر ، نقدا موجّها في الأساس لتراث سجالي ساهم بعضهم في صنعه وترويجه ، هم الآن مطالبون بتحييد تأثيراته المستقبلية ، وإلجام انفلاتاته غير المدركة على شارع ما زال ذلك التراث يشكل إحدى المرجعيات الناشطة في تكوينه الثقافي . فثقافة التسامح وأدب الاختلاف لا يمكنهما أن يسودا دون نبذ التراث السجالي الذي لم ينقطع دفقه على الأتباع من الفريقين حتى هذه اللحظة ، عدا أن التساهل في مرور هذا التراث إلى مراكز التوجيه الديني يطيح صدقية المتبنيات الفكرية الجديدة . هناك كتب كثيرة تنتشر في أوساط الشيعة والسنّة من أتباع مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، مفرطة في العداوة والكراهية المتبادلتين ، وما زال ينظر إليها بوصفها شكلا من أشكال الدفاع الثقافي عن الذات الجماعية . وإلى الآن لم نسمع بحركة ثقافية مضادة داخل الدوائر الدينية تحديدا تنقد محتويات هذه الكتب وتبلّغ الأتباع ضرورة التخلص منها . فهذه الكتب تعارض كليا إرادة الانفتاح والتسامح ، وتبشّر بالخصومة مع الآخر ، وتدعو إلى المنابذة المتبادلة ، مقترنة بمحرضات على القتل . يواجه رجل الدين الشيعي خيار الإقلاع عن النزعة المذهبية الخاصة من خلال تطوير خطاب ديني متسامح يتجاوز حدود الذات المذهبية الخاصة ، بل يستهدف في أحد أغراضه المباشرة ، إحلال ثقافة مناهضة للعقائد المتطرفة كالتي تشيعها بعض الطقوس الدينية ، وتسللت إلى المنظومة الثقافية الشيعية من الخارج ، وأدمجت في الثقافة المحلية ، في وقت كانت هناك ميول جامحة لضخ مذهبي يحفظ الذات ويعزز الهوية الخاصة . الواقع أن الشفافية في التعامل مع الوضع الثقافي الشيعي والخروج من النفق الطائفي يتطلبان معالجات جريئة لا تتأثر بما يعتقد استغلالا من الآخر ، وتسليم الخصم سلاحا يحارب