فؤاد ابراهيم

70

الشيعة في السعودية

3 - التعايش المنفصل : لقرون قليلة مضت ، عاشت غالبية شعوب العالم في مجتمعات مكتفية ذاتيا من الناحية الاقتصادية ، وكيّفت أوضاعها من خلال التكنولوجيا والمهارة التقليدية للبيئة المباشرة . ولكن هذه الأنظمة الثقافية المتخصصة قد اختفت ، واستمر بعضها في ظروف بيئية بالغة السوء مثل البدو في الصحراء ، والأمازونيين الهنود ، وبقايا الثقافات القديمة في الأسكيمو ، والأبورغيين الإستراليين ، وغيرهم . وفي هذه الأنظمة الثقافية يعتبر تحقيق الاكتفاء الذاتي قضية جوهرية . إن أي تفاعل قريب مع المجتمعات المجاورة يقود تلقائيا إلى التدمير الثقافي وأحيانا إلى تدمير المجتمع الإنساني . وفي ظل الظروف المعاصرة ، فإن معظم هذه الأوضاع تتصل بمجتمعات صغيرة جدا . ومهما يكن ، فإن هذا الخيار هو غير عملي في ظل نظام دولي شديد التداخل والتفاعل . بيد أن إيحاءات هذا الخيار تنبّه إلى أن جنوح السلطة السياسية المهيمنة والاستيعابية موجّه لتدمير الأقلية الثقافية من خلال عملية الاحتواء . ومعلوم أن الشيعة في السعودية ، كما هو شأن تجمعات أخرى ، قاوموا الاستيعاب المفضي إلى الإلغاء التام والتوترات السياسية الناشئة عنه . لقد صنعت الجماعة الشيعية في رد فعلها على التمييز الثقافي الداخلي بديلا خارجيا تتفاعل معه وتتواصل مع مراكزه كتعويض عن الإحساس بالاغتراب وبالهزيمة الداخلية . لذلك ، فإن تعريف المشكلة يبدأ من موقف الشيعة الأولي ، وإذا ما وافقت هذه الجماعة على الذوبان فلن تكون هناك مشكلة ، ولكن ما ذا إن أصرّت على الاحتفاظ بخصوصياتها الثقافية . وهناك مشكلة أخرى هي : هل الاندماج أو الاستيعاب قابل للقسمة ؟ ففي بعض الأحيان ، تقبل جماعة أو جماعات معيّنة الاندماج في النظام الاقتصادي ، ولكنها تلحّ على حقّها في تمييز نفسها باعتبارها جماعة دينية مستقلة . إن عدم تسامح المجتمع المحيط ، قد يولد ، أحيانا ، من عدم التناسق في سلوك الأقلية نفسها . فهل قبل الشيعة الذوبان الاقتصادي ، أو نبذوا الذوبان الكامل بسبب مذهبهم الانعزالي ؟