فؤاد ابراهيم
48
الشيعة في السعودية
سلطة الدين كانت قابلة للتوظيف في تجاوز سلطة القبيلة ، ولكن حين أريد لهذا العامل الديني أن يوظّف خارج نجد ، كانت هناك سلطات دينية موازية في الحجاز والمنطقة الشرقية ونجران . وعليه ، لم يكن العامل الديني قادرا على صنع هوية وطنية كونه جاء محمولا على مذهب ، ولم يكن هذا الدين مستمدا من مكوّنات ثقافية ودينية مشتركة . ولذلك ارتبط الدين بالإقليم وأيضا بجماعة ، وقد تحوّلت هذه المكوّنات في مجملها إلى سلطة شخصية ذات طبيعة مستقلة ، لا تنتمي إليها غالبية سكان السعوديّة . وبرغم أن أشكال الانتماء القومية والوطنية والدينية عفوية وطوعية ، تماما كما أن الوعي بها ينشأ وينمو طبيعيا أي غير مفتعل وليس بالقهر ، فإن بمقدور الحكومات المساهمة في تنشئة الإحساس والوعي بالانتماء وطنيا كان أم قوميا أم دينيا من طريق نظام التعليم ووسائل الاتصال الجماهيري والخدمة العسكرية الإجبارية ، علما أن هذه الوسائل غير كافية . لقد ذهل المؤسسون الأوائل للدولة بأن الأيديولوجيا الوطنية كانت قابلة لتشكيل الأساس الرصين والشرعي للنظام السياسي ، لأنها وحدها تعلو على الانتماءات الفرعية ، بما فيها الانتماء الديني المتمظهر في أشكال مذهبية متعارضة أو على الأقل متباينة ، فضلا عن الروابط القبلية والإقليمية . صحيح تماما القول إن الانعتاق من الروابط التقليدية لم يكن ممكنا بسهولة في مجتمع تترسخ فيه تلك الروابط وتمثّل التحصينات الأساسية والمشروعة للأفراد ، ولكن الصحيح أيضا أن غياب الرابطة العليا الكلية أو انعدامها ، شدّ من وثاق تلك الروابط الفرعية ، بل أفقر أسس مشروعية الرابطة العليا . إن العلاج المبدئي لمشكلة المشروعية يتطلب درجة عالية من المشاركة المؤسسية عبر البرلمانات والأحزاب والتشكيلات المؤسسية المماثلة ، لأن غياب أطر جماعية تحتضن الجماعات المنضوية داخل الدولة وتكوّن أساسا لعمل وطني وإيقاظ روح وطنية مشتركة يجيز ( بل يشرعن أيضا ) للأطر الفرعية بالترعرع في فضاءات تقع خارج سيطرة الدولة بل ربما تكون متعارضة معها .