فؤاد ابراهيم
159
الشيعة في السعودية
والضلال ، في حين أن القراءة النقدية في التراث السلفي على طريقة الشيخ حسن بن فرحان المالكي ، يعتبر خروجا على الملّة ، وتأجيجا للنعرات الطائفية البغيضة . إن التأسيس الثقافي والتاريخي للأمّة معدّ في الأصل لاستدعاء عوامل التجزئة والانقسام . لذلك تتحوّل قنوات التعبير الثقافي والاجتماعي تلقائيا إلى قنوات طائفية في فترة قياسية . نقل زعيم حزب شيوعي في الخليج ذات مرة في بداية التسعينيات أن عناصر الحزبين الشيوعيين المتحالفين في هذا البلد ، قد ارتدوا إلى انتماءاتهم المذهبية ، فصاروا شيعة وسنّة بعد ما كانوا ماركسيين وماويين . ولعلنا نجد الآن ومنذ سقوط نظام صدام حسين ، أن الطائفية تسيّر الأحزاب العربية ، والقنوات الفضائية العربية ، والحكومات العربية على اختلاف تلفيقاتهم الأيديولوجية والسياسية ، وكأن صدام حسين كان رمزا دينيا وحدويا لا يتكرر في التاريخ . في واقع الأمر ، إن الطائفيين يتخفّون تحت أسماء كبيرة ، كالأممية والقومية والوطنية ، وحتى الدولة بنزوعها الطائفي أو الفئوي أو المناطقي قد تجيد الرطانة الأيديولوجية الماكرة فتلوذ في أحيان كثيرة بالتلفّع بالرداء الوطني كيما تؤكّد تمثيلها العام لأمّة متشظية ، وكي تستر أيضا سر السياسات التمييزية السارية في مفاصلها ، مع أن هذا الاستتار يصلح للتعمية على من هم خارج الحدود ، وليس على ضحايا التمييز الذين يكتوون يوميا بنار الطائفية في المؤسسات الحكومية ، وفي التعليم ، والتوظيف ، والتمثيل السياسي . . . الخ . وفي ظل غياب معايير قيمية مشتركة متفق عليها يمكن بها اختبار سلوك الأفراد ، ولأن الناس في البلاد تخضع للائحة قيم خاصة مذهبية وفئوية ومناطقية ، تبقى السياسات أيضا رهينة النظام القيمي . لذلك ، ما إن تبدأ الدولة بترسيخ قيمة المواطنة كخط استواء ومحك عام حتى تنشط محرّكات الطائفية وقد تستمر فاعلة إن لم يمدّ ممثلو الدين أيديهم لمباركة تلك القيمة الغائبة . لو أردنا تلخيص مهمة الفريقين في هذه المرحلة ، وفي مرحلة لاحقة ، لأمكن تحديدها في انتزاع المخالب من جسد الآخر والانشغال التام بالذات ، من أجل إعادة اكتشافها ومراجعتها