فؤاد ابراهيم
152
الشيعة في السعودية
5 - السكون حد التماهي مع التاريخ والماضي ، لقد وطّن المؤمنون بالتشيّع والسلفية أنفسهم على الخضوع لسلطة الموروث والاستقالة إزاء ما يضخّه من تعاليم ونصوص ومواقف ، وأيضا خصومات ، برغم أن دور الأتباع من الفريقين يقتصر على تحديد أزمنة المجابهة المذهبية ومقدار المخزون المطلوب استعماله من هذا التراث في هذه المجابهة . إن الانتقائية في قراءة الماضي والاسترشاد بالنصّ الديني يمثلان نزعة متوغّلة لدى الشيعة والسلفية . فالانتقائية مصمّمة لترسيم الحدود الفاصلة بين الجماعات وتعميق الوعي بالذات . لا يحتاج الأمر إلى مزيد من الجهد لحشد التاريخ برموزه ونصوصه المنتقاة بعناية في معارك الحاضر ، لأن الجميع منغمسون فيه بل مهزومون أمامه ، فهذا التاريخ بات جهازا فائق السيادة وهو منذور لتوفير مواد الاحتراق الضرورية لإشعال الخصومات . لقد هيأ لنا التاريخ بما يحمله في جوفه ، أشكالا متنوعة في الرؤية وأنظمة المعنى ، وأيضا في العلاقة الباعثة ، إمّا على الاضطراب أو التضامن ، ولكن شيئا واحدا قصرت سلطة التاريخ عن الوصول إليه وهو قرار الإذعان له ، فاستعباده هو قرار مستقل من أولئك الذين حطّوا رحالهم عند أمل مستحيل التحقق هربا من يأس الخداع . لا يتقارع الشيعة والسلفية بأسلحة من صنع الحاضر ، تماما كما هو منشأ معركتهم وأسباب اندلاعها ، وإنما يستعيرون من الماضي أسلحته ، ولذلك ما إن يشعل أحدهم عود الثقاب في الجدل المذهبي العقيم حتى تفتح مخازن التاريخ أبوابها في عملية لوجستية واسعة النطاق ، ولعل أول ما يستحضره الشيعي سلاح السقيفة الذي به يفلق الساحة إلى نصفين : من هم مع علي ومن هم عليه ، ليسقط هذا الانفلاق من الحساب الديني أخلاقيات علي ونظامه القيمي ، الذي يقدّم التوحّد العام على الحق الخاص . في المقابل ، أول ما يستحضر السلفي هو مقولات الشيخ ابن تيمية في الشيعة ( الذي يحلو له تخفيضهم تشنيعا بهم ، إلى الرافضة ) . يعدّ الشيخ ابن تيمية المهندس الأول لنظرية المؤامرة الشيعية في التاريخ منذ فرضية دسيسة العلقمي التي قوّضت أركان الخلافة العباسية عام 656 ه ، لتتلوها قائمة مكتظة من الحياكات الخيالية ، عن العالم الخفي الذي لا يفتر فيه الشيعة عن