فؤاد ابراهيم
145
الشيعة في السعودية
السلفية في القرى المنعزلة ثقافيا واجتماعيا . لذا ، يمكن تفسير لما ذا كانت السلفية قادرة على اختراق المجتمعات المغلقة اجتماعيا والتي يكاد ينعدم فيها الحراك الفكري والثقافي فضلا عن السياسي وعليه عجزت الحركة السلفية عن تأسيس حضور حركي فاعل من أي نوع ، وعجزت حتى عن تحقيق اختراق عقدي في الدول التي شهدت حراكا فكريا ناشطا ومنفتحا على مصر وسوريا ولبنان وغيرها ، وهذا لا يعني أن السلفية محصّنة أمام محاولات التوريط ، أو أنها غير قابلة للاستغلال سياسيا حتى في أكثر الدول تقدما وانفتاحا فكريا ، فكما نرى أن السلفية بنسختها السعودية توظّف الآن في حرب طائفية في العراق ، برغم أن الأخير كان من الناحية التاريخية ، مناهضا للمدرسة السلفية . الواقع أن السلفية تجد لها حواضن ناشطة في المناطق ذات الصبغة القروية المعزولة ثقافيا كما هي الحال في أفغانستان ، والجزائر ، واليمن ، وجنوب الأردن ، فهناك تحقق السلفية أقصى أحلامها ، وتتخذ قواعد لانطلاق طلائعها التي تنبثّ في المناطق البكر لتحقيق النبوءات التاريخية النادرة . على العكس ، فإن نشأة التشيّع كانت ذات طبيعة حضرية ، أي إن روّاد التشيّع نشأوا أو عاشوا في المدن وتفاعلوا معها وتأثّروا بالنشاط الفكري فيها . هذا نلحظه بعد الغيبة الكبرى عام 329 ه 941 م إذ كان روّاد التشيّع الأوائل الشيخ المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي مقيمين في بغداد التي كانت حينذاك حاضنة أكبر تنوّع فكري ومذهبي في تاريخ المسلمين على الإطلاق . وهذه الحالة تكررت في وقت لاحق في الحلّة وطهران والنجف وقم ، فقد كانت هذه المدن مفتوحة الحدود ثقافيا ، فحركة الاجتهاد ( ذات المنشأ السنّي ) بدأت من الناحية العملية في الحلّة على يد المحقق الحلّي . وكان علماء النجف في القرن التاسع عشر يستقبلون بحفاوة بالغة الأفكار القادمة من مصر حول ( الوطن ) والأمّة الإسلامية ، وأهمية الوحدة الشيعية السنّية في وجه التمدد الأوروبي ، والحاجة إلى بعث إسلامي متصالح مع الحداثة ، وكانت النجف تستقبل في آخر عام 1911 بين 50 - 100 صحيفة ونشرة أسبوعيا ، وتوزّع في المدينة ، من بينها المنار ، والمقطّم ، والمقتطف ، والهلال ،