فؤاد ابراهيم
119
الشيعة في السعودية
وقت كان التشيّع مهادنا للسلطة ، والعكس صحيح أيضا . وقد رأينا أن المذهب الحنفي أصبح المذهب الرسمي في الدولة العثمانية عندما كان المذهب الشيعي المذهب الرسمي في الدولة الصفوية ، برغم أن كليهما رفعا في فترات سابقة لواء الاحتجاج ضد السلطة ، علما أن التشيّع الذي كان يشرعن ويبني الدولة والسلطة في إيران جرى استعماله لتهديمها في مراحل لاحقة . إن هذه السيولة في حركة التمذهبات والمحرّضات السياسية فيها تجعل من الضروري نفي التعامل مع مذهب أو أتباعه باعتبارهم صنفا مندغما في خط تاريخي قدري لا فكاك منه وعنه . إشكالية الولاء ، إذن ، يجب أن تطرح في هذا المناخ المتقلب باستمرار . وقد رأى محبّ الدين الخطيب في كتابه « الخطوط العريضة » أن المذهب الشيعي قائم على أساس رفض شرعية الحكومات القائمة « 38 » . وهو رأي صحيح في حدّه الأول والنظري ، ويلتقي بلا شك مع التصوّر الإسلامي العام بشأن الأمّة / الوطن المؤجّل ، أي الدولة الإلهية ، إلا أنه يخيب لدى الخروج من إطاره السجالي ليصوغ رؤية تحليلية مستندة إلى قراءة تاريخية عميقة لحركة المعتقدات في تاريخ المسلمين ، والعناصر الضالعة في توجيه مساراتها ومؤثراتها الاجتماعية والسياسية . في العصر الحديث ، وخصوصا بعد قيام الدولة القطرية ، كان ثمة توافق ضمني وعفوي على إمكان القسمة بين ولاءين ديني وسياسي ما دام مجال تأثيرهما يعمل في فضاءين جغرافيين ومعرفيين منفصلين وفي الوقت نفسه غير متصادمين ، خصوصا في فترة كان الشيعة في عزلة سياسية شبه تامة ، حيث لم يكن الولاء السياسي يخضع للامتحان . قائمة الأسئلة المتصلة بإشكالية الهوية والانتماء تبدأ أولا هنا : متى خضع ولاء الشيعة إلى دولهم للاختبار ؟ ومن ثم هل يمكن قسمة الولاء كما هو الحال بالنسبة إلى الهويات بحيث يعرّف الإنسان نفسه في سياق هويات متعددة ودوائر انتماء متداخلة ، وفي الوقت نفسه متفاوتة الحجم والتأثير . ثم يأتي السؤال الكبير بشأن السيادة : لمن ؟ الديني أو السياسي ؟
--> ( 38 ) يقول محب الدين الخطيب : « أن أصل مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية التي تسمى أيضا ( الجعفرية ) قائم على اعتبار جميع الحكومات الإسلامية من يوم وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذه الساعة - عدا سنوات حكم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه - حكومات غير شرعية » ، الخطوط العريضة ، ( جدة ، 1960 ) ، ص 8 وما بعدها