فؤاد ابراهيم
112
الشيعة في السعودية
الجدير ذكره أن المرجعية في صورتها الراهنة هي منتج غير تاريخي ، بل هي ابتكار شيعي فريد ظهر في القرن الثامن عشر الميلادي ، ويمثل أحد تجليات النزوع المتزايد داخل الدوائر الفقهية الشيعية نحو تحقيق درجة كافية من النفوذ الاجتماعي في مقابل الدوائر السياسية والتجارية الأخرى . في المجال الديني ، تجسّدت القيادة المثلى وسط علماء الشيعة في إيران والعراق منذ منتصف القرن الثامن عشر ، في أكثرهم اضطلاعا بمعرفة أحكام الشريعة والعلوم المتصلة بها . والاعتراف بهذه الملكة تتحصل عادة من خلال فترة طويلة من الدراسة والتدريس والمحاضرات المتخصصة في أحد المراكز العلمية الواقعة في إحدى المدن المقدّسة في العالم الشيعي . وهذه العملية بما يكتنفها من إجراءات شديدة التعقيد تتوّج عادة بمنصب ( مرجع التقليد ) وهو منصب كثيرا ما يكون من نصيب كبار السنّ في الحوزات الدينية من الذين اكتسبوا خبرة في موضوعات الفقه . وبسبب الارتباط التاريخي بين الحوزات الدينية والمدن الدينية المقدسة لدى الشيعة ، منذ انتقال الشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري من بغداد إلى النجف الأشرف ، والتي اعتبرت بداية تأسيس الحوزة العلمية الشيعية أصبح العراق وإيران يتناوبان على موقع المرجعية العليا للشيعة للسبب نفسه ، مدشنة نوعا من العلاقة غير المتكافئة القائمة على أساس المركز والأطراف داخل المجتمع الشيعي . تاريخيا ، شهدت المرجعية الشيعية كمفهوم فقهي ومؤسسة دينية وسلطة روحية / اجتماعية نقاط تحوّل أساسية دفعت باتجاه احتواء ( العامة ) أو ما تعارف على تصنيفهم ب ( المقلّدين ) داخل دائرة تأثير روحي متصلة الحلقات . فقد بدأ مفهوم المرجعية يتبرعم في أجواء النقاش العقلي الذي أداره بامتياز رائد الانطلاقة الثالثة لحركة الاجتهاد في المجال الفقهي الشيعي الشيخ مرتضى الأنصاري في منتصف القرن الثالث عشر الهجري . ففي سياق الجدل المحموم بين المدرسة الإخبارية المؤسسة على مركزية الموروث النقلي كما نظّر لها الشيخ محمد أمين الأسترآبادي ودافع