هاشم معروف الحسني

90

أصول التشيع

كذلك قد يتصف الشيء بالحسن باعتبار المصلحة الداعية إلى فعله ، كما يتصف بالقبح من حيث المفسدة الداعية إلى تركه . والحسن والقبح بهذين الاعتبارين يرجعان إلى الشيء إما بملاحظة ذاته كما في المعنى الأول ، وإما باعتبار ما يترتب عليه من المصلحة والمفسدة كما هو الحال في المعنى الثاني للحسن والقبح . ويطلق الحسن والقبح على الشيء باعتبار استحقاق فاعله للمدح والذم ، فما تعلق به المدح وترتب عليه الثواب يسمى حسنا وما تعلق به الذم وترتب عليه العقاب يتصف بالقبح . أما الحسن والقبح بالمعنى الأول والثاني فلا أظن أن أحدا يقول بتوقفهما على أمر الشارع فأوصاف الكمال يحكم العقل بحسنها ، ولا يتوقف على بيان الشارع والرسول ، وكذلك الحال في أوصاف النقص ، وهكذا بالنسبة إلى الحسن والقبيح بالمعنى الثاني . فالحكم بحسن ما فيه المصلحة وقبح ما فيه المفسدة لا يخالف فيه أحد ولا يتوقف على حكم الشرع في ذلك ، فينحصر النزاع إذن بين الأشاعرة وغيرهم من الإمامية والمعتزلة بالمعنى الثالث للحسن والقبح . فالإمامية يدعون أن العقل يحكم بحسن بعض الأفعال ومدح فاعلها ، وجد الشرع أو لم يوجد ، كما يحكم بقبح بعض الأفعال وذم فاعلها أيضا . وفيما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه لا بد من حكم الشرع فيه لنحكم عليه بالحسن أو القبح ، والأشاعرة يدعون أن الحسن والقبح بهذا المعنى إنما يكون من حيث أمر الشارع ونهيه ، فما لم يكن منه أمر ونهي لا يدرك العقل قبحه وحسنه لكي يستحق الفاعل مدحا أو ذما ، ومهما يكن الأمر فالمسألة محررة في كثير من كتب علمائنا الكلامية كالعلامة والمرتضى والمفيد وغيرهم ممن تأخر عنهم ، كما هي محررة في كتب السنة كالمواقف للإيجي وشرحها للجرجاني والملل والنحل للشهرستاني والمستصفي للغزالي وغيرها .