هاشم معروف الحسني

84

أصول التشيع

والمحذور الثاني أن الجزئيات تتغير وتتبدل حيث توجد بعد أن تكون معدومة وتنعدم بعد وجودها وهي في تغير دائم ، ولو علم اللّه لزم أن يتغير علمه ويتبدل تبعا لتغير الجزئيات وتبدلها لأن العلم صورة مطابقة للمعلوم مع أن علم اللّه ثابت على وتيرة واحدة ولا يتجدد في حالة من الحالات . وفرارا من هذين المحذورين قال الفلاسفة : إن اللّه لا يعلم الجزئيات المتغيرة ابتداء بلا واسطة وإنما يعلمها عن طريق أسبابها وعللها لأنه يعلم ذاته والعلم بذاته علم بكل شيء لأنها هي العلة الأولى والمرجع لجميع الأشياء إما ابتداء أو بتوسط العلل الثانوية والعلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول . ولعل أفضل ما قيل في دفع هذا الشبه والاحتمالات التي لا تمت للواقع بصلة من الصلات ، هو أن اللّه يعلم الجزئيات بذاتها وأسبابها كما يعلم الكليات ولا يلزم من ذلك تغيير وتبديل في علم اللّه لأن علمه بالجزئيات لا يعني أكثر من نسبة الجزئي وإضافته إلى علمه فإذا انتفى الجزئي تنتفي إضافة وجوده إلى علمه أما علمه به فيبقى كما هو بدون تغيير وتبديل ، فإذا وجد زيد مثلا ينسب وجوده إلى علم اللّه ويضاف إليه ، فإذا انعدم زيد تنتفي نسبته لا غير إلى علم اللّه أما العلم به فلا ينتفي وهو باق لا يتغير . ومهما كان الحال فقد نص القرآن الكريم على أنه يعلم الكليات والجزئيات بذواتها وأسبابها كما يعلم الجواهر القائمة بغيرها والموجودات الخارجية والذهنية ولا يغرب عن علمه شيء مهما كان نوعه ولونه كما تنص على ذلك الآية التالية : عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . وجاء في آية ثانية من سورة الأنعام : وَعِنْدَهُ ، مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ .