هاشم معروف الحسني

53

أصول التشيع

وحيث كان اللّه سبحانه منزها عن حدود الزمان والمكان وعن قيود الزمان والمكان استحال على العقل تصوره وإدراكه ، وكيف يتاح له ذلك وهو عاجز عن إدراك كنه مخلوقاته واكتشاف ما فيها من ألغاز وأسرار الحياة والروح والعقل وحتى كثير من دقائق المرئيات وجلائها . بل إن كل ما استطاع أن يتوصل إليه البشر من معرفة اللّه عز وجل إنما جاء عن التفكير في كائناته وآيات صنعه وعجائب مخلوقاته فاستدلوا بها على وجوده وبقاياتها وتنظيمها على حكمته وانسجامها وتنسيقها على وحدانيته ، ومن أجل ذلك جاء التحذير والترهيب عن التفكير في ذات اللّه تعالى كما تؤكد ذلك النصوص الكثيرة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة الأطهار من ذريته ، ومن ذلك ما جاء عن الإمام الباقر عليه السّلام أنه قال : إياكم والتفكر في اللّه ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة اللّه فانظروا إلى عظيم خلقه . وقال الإمام الصادق عليه السّلام : من نظر في اللّه كيف هو وأين هو فقد هلك . إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تحذر من الاسترسال والاعتماد المطلق على العقل في معزل عن الكون وما فيه من الكائنات وعجائب المخلوقات . وما ذاك إلا لأن الآيات والكائنات أدل على موجدها وأصدق في الدلالة عليه من غيرها ، ذلك لأن كل موجود اتصف بغاية خاصة وفائدة ملحوظة كالكتاب المؤلف والقصر المشيد والجهاز الخاص المعد لبعض الأغراض والأهداف فإنه يدل دلالة واضحة وسليمة على أن موجده وصانعه ذو عقل سليم وقصد نبيل عرف الغاية من صنعه فأوجده لأجلها ، وكلما تمتنت الصلة وتكشفت غاية الموجد وحكمته في صنعه يتضاعف اليقين بحكمته وقصده مما أوجد وإن لم نر الموجد أو يخبرها عنه مخبر ، وتلك حالة طبيعية ليس بإمكان أحد أن يتنكر لها أو يتجرد عنها ، فكيف يتابع هذا