هاشم معروف الحسني

226

أصول التشيع

فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه ، ولم يكن على حالة يتعلل بها عليه ، فناوله المتوكل الكأس الذي بيده فقال الإمام يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني منه فعفاه . ثم قال له أنشدني شعرا أستحسنه فاعتذر الإمام بقلة روايته للشعر وخصوصا إذا كان من النوع الذي يستحسنه المتوكل في وصف الغلمان والخمر والجواري ، ولكن الجبار ألح في طلبه ، فأنشده الإمام عليه السّلام : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * فاودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود ينتقل واستمر الإمام ينشد المتوكل شعرا من هذا النوع ، حتى خاف عليه الحاضرون من بطشه . لقد فشل الساعون بدسيستهم على الإمام عليه السّلام ولم ير المتوكل مجالا للتنكيل به . فأراد أن يحقره في مجلس يضم حاشيته وندماءه السكارى ، فناوله كأسا كان قد أعدها لنفسه وهو يعلم أن الإمام يحارب الخمر كما يحارب جميع المنكرات ويرى أن شارب الخمر كعابد الوثن ، كما روي ذلك عن آبائه واحدا بعد واحد عن النبي عن ربه . وبعد أن يئس منه عدل في تحديه إلى لون آخر ، فاستنشده الشعر الذي يلتذ بسماعه ، ولم يكن يحسب أن الإمام سينزل عليه تلك الصواعق ، ويصفعه بتلك العظات البالغات ، ويلمسه بكلتا يديه ما يكون من أمره وأمر غيره من الجبابرة العاتين عبيد الشهوات والأهواء ، أراد المتوكل أن يصغر من أمر الإمام فكبر في نفوس الملايين من الناس من حيث لا يقصد فصور له الإمام حالة الجبابرة والسلاطين بعد قليل الزمن ، يسألون فلا يجيبون ، فيفصح القبر عن سوء حالهم ، وقبح مصيرهم . التيجان يرثها قوم آخرون ، والوجوه الناعمة يعبث