هاشم معروف الحسني

217

أصول التشيع

ليسترشد به الضال ويهتدي إليه الحائر فيلتزم جانب الهدوء والتستر خوفا من سلطان الرشيد ، فما أشبه أيامه هذه بأيام من تقدمه من آبائه ، تاريخ يشبه بعضه بعضا ، وسلسلة من الكوارث يتصل طرف منها بعلي عليه السّلام وطرفها الآخر بآخر أئمة هذا البيت . وهكذا بقي الإمام الثامن إلى أن كانت فاجعة أبيه وهو على أكتاف أربعة من الحمالين من السجن إلى الشوارع التي تحتشد فيها المارة إلى الجسر الذي يربط كلا من طرفي المدينة بالآخر ، والحمالون ينادون بموته بلهجة تنم عن الامتهان والتحقير حتى لا يبقى لأحد من الشيعة المتسترين أمل في حياة إمامهم وخروجه من سجنه . وعاش الإمام بعد أبيه عشرين سنة ، قضى شطرا منها فيما بقي من أيام الرشيد ، وهو الإمام بعد أبيه ، وانحرف كثير من الشيعة في آرائهم ، وكثرت المذاهب وتعددت الفرق ، فبين من رجع في الإمامة إلى غيره من اخوانه ، وبين من قال بأن الإمام غائب وسيظهر بعد حين إلى الناس ، وفرقة من الشيعة قالت بإمامته وهم الخواص الذين سمعوا من أبيه النص عليه ، وبدأ أصحابه يتصلون به ويدعون الشيعة إلى إمامته فرجع إليه جماعة من الشيعة وظهر أمره بين أصحاب أبيه ، وقام بأداء رسالته ، ينشر تعاليم الإسلام ويناضل أهل الشبه والعقائد الفاسدة على خوف ووجل شديدين . وعاش السنين الثمانية بعد إمامته حتى تقلص ظل الرشيد ، وكانت أيام ولديه وما وقع فيها من أحداث أدت إلى خلافة المأمون العباسي وفي هذا الظرف تهيأ له الجو المناسب لأداء رسالته كما يريد ، وقد جاء المأمون في هذه الدولة كما جاء قبله عمر بن عبد العزيز في أيام بني أمية ، ولم يكن المأمون في سيرته يشبه أحدا ممن تقدمه من البيت العباسي ، الذي أنسى الناس ظلم الأمويين ، وأصبح يجري على لسان أكثر الناس قول القائل : يا ليت جور بني مروان دام لنا * وليت عدل بني العباس في النار