هاشم معروف الحسني
103
أصول التشيع
والجواب عنها أنه ليس في هذا ما يدلنا على أنه قد أضل فريقا من عباده وهدى فريقا آخر ، بل غاية ما تدل على أنه لو اقتضت مشيئته ذلك لوقع العبد في شريك العصيان والخذلان من حيث قدرته على التصرف بعباده بكل أنحاء التصرفات ولا يتنافى ما عليه الإمامية القائلين بالعدل وعدم جواز القبح عليه سبحانه لأن قدرته على كل شيء لا يستوجب فعل القبيح تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وثانيا - أن المراد بالضلال هو أن يسلب العبد ألطافه وفؤاده فيما إذا تواترت عليه الحجج والبراهين ، وبقي مصرا على طغيانه وإعراضه عنها ، ففي هذه الحالة يبقيه اللّه على ما يختار ويمنع عنه اللطف الإلهي ، والنور الذي يمكن أن يهتدي بواسطته إلى اللّه سبحانه ، ولا تضر في هذه الأحوال نسبة الإضلال إلى اللّه ، لأن العبد بطغيانه وتمرده كان سببا لإعراضه عنه ، وعدم إزاحة الشر من نفسه فتركه على ما هو عليه خذلان منه سبحانه لذلك العبد المتمرد ، فليس المراد منها أنه خلق الضلال والهداية بعباده ، لا أمرهم بها ، ومهما يكن الحال فجميع الآيات التي يمكن أن تكون محلا للشبهة ليست نصا فيما يدعون ، وظاهر بعضها - وإن دل على ذلك - ولكن هذا الظاهر لا بد من التصرف فيه بعد قيام الدليل العقلي على عدم جواز نسبة الظلم إليه سبحانه ، لا سيما وأن الكثير من آيات الكتاب نص في ما تدعيه الإمامية . ومن جملة الآيات قوله سبحانه وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً فهي تدل بظاهرها على أن اللّه سبحانه إذا أراد أن يهلك قوما ويعذبهم أمر المترفين منهم ففسقوا وكان فسقهم مترتبا على الأمر ، فكأنه أمرهم بالفسق أو أمرهم ليفسقوا ومعنى ذلك أنه أراد منهم الفسق ليعذبهم عليه ، فلا يكون السبب في العقاب عصيان العبد المنبعث عن اختياره وتمرده على اللّه سبحانه ، بل هو من حيث إرادته لذلك