ستار جبر حمود الأعرجي
87
الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى
وهناك التفاضل باعتبار عموم الرسالة والشريعة ففضل محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم بالرسالة إلى عموم البشر ، قال تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . [ الأعراف : 158 ] ، وأرسل أغلب الأنبياء - عليهم السلام - إلى أممهم خاصة أو شعوبهم أو مدنهم ، قال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً . . [ النمل : 45 ] ، كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [ الشعراء : 123 - 125 ] ، ومنها التفاضل من حيث الإتيان بالتشريع ، فمن الرسل من يأتي بشريعة جديدة متكاملة تنسخ شريعة من قبله أو تكملها كموسى وعيسى ومحمد صلّى اللَّه عليه وسلّم الذي جاء بخاتمة الشرائع وأكملها ، ومنهم من لا يأتي بشريعة بل يتبع شريعة من سبقه أو كان في عصره ، وهذا كسائر الأنبياء - عليهم السلام - مثل لوط الذي كان في عهد إبراهيم عليه السلام . وهكذا يفترقون من حيث هذا الاعتبار فإن منهم من شرع ، ومنهم من لم يشرع « 1 » ، ومنها أيضا التفاضل من حيث المعجزات والكرامات المصاحبة للاصطفاء والنبوة ، فمنهم من انفرد بمعجزة واحدة على قدر ما يستوعبه عصره من وجوه خرق القوانين والعادات الطبيعية تكون وقتية محددة باستمرار نبوته كموسى وعيسى عليهما السلام ، ومنهم من كانت معجزته مستمرة وباقية حتى بعد نبوته كمعجزة نبيّنا صلّى اللَّه عليه وسلّم الخالدة إلى يوم القيامة وهي القرآن الكريم . من مجمل هذه الوجوه في التفاضل وغيرها نستشف أن البشر المصطفين للهداية مرتبتان هما النبوة والرسالة ، إلّا أنّ ما يجب إيضاحه أن هذه النبوة في ذاتها مرتبة واحدة مستوية ، وخصلة مشتركة في جميع هؤلاء البشر المخصوصين . فالنبوة هي فضيلة الجميع ، وأنهم إنما يتفاوتون في ( زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينة ) « 2 » ، وهذا ما دل عليه ظاهر آية التفضيل نفسها فقد جاء الخصوص فيها بقوله تعالى : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وقال تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ . فالآية نبهت أولا إلى أنهم مشتركون جميعا في مرتبة الإرسال بالنبوة ثم خص بعضهم بالتكليم والرفع درجات : فإذا كان موسى كلم فإن الأنبياء جميعا كلموا أيضا إلا أن موسى خص من بينهم بالكلام من وراء حجاب ، وكلم الآخرون بالوحي إلهاما أو بواسطة الرسول الملكي .
--> ( 1 ) الطبرسي : مجمع البيان ( 3 / 358 ) . ( 2 ) القرطبي ( 3 / 262 ) .