مجموعة مؤلفين

96

نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )

لألائه ، ونفحة من جلاله وكماله ، إلا أننا نراه يذيع علينا من موفور علمه وعميق فهمه ، ما لم يلقه علينا النبي ( ص ) من قبله . . فكأن الإمام علي ( ع ) بالنسبة لعلم النبي ( ص ) كالنبع الذي يستمد مادته من مخزن النبي ( ص ) ثم يفيض به ماء فراتا لذة للشاربين . . . أو انه بالنسبة لنور النبي ( ص ) كزجاجة المصباح التي استمدت نور المصباح وخزنته ثم أصدرته أشعة وضّاءة للعالمين . وليس ثمة تصوير أصدق لذلك من قوله تعالى في آية النور : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ » « 1 » فالمشكاة هي نفس النبي ( ص ) التي ملكت القابلية التامة لاحتواء النور الإلهي ، الذي أشرق فيها بصورة مصباح يشع بالنور . ( المصباح في زجاجة ) : أي أن هذا النور الذي حواه النبي ( ص ) قد أودعه في عليّ فاستقر في الزجاجة الحافظة . ( الزجاجة كأنها كوكب درىّ ) : ثم فاض النور من تلك الزجاجة الوضّاءة على الناس ، فكان الإمام ( ع ) كالكوكب الدري الذي يشع نوره على العالمين . وفي تشبيه آخر للنبي ( ص ) قال : « أنا مدينة العلم وعلى بابها ، فمن أراد المدينة فليأت الباب » . « 2 » فهذا تمثيل رائع لمكانة الإمام علي ( ع ) في العلم ، وأنه بلغ قصب السبق في كافة العلوم الدينية وغير الدينية . وليس بغريب بعد هذا أن يتصدى الإمام علي ( ع ) إلى القول : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فإني بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض . . » . « 3 » يا لها من كلمات موجزة ، ولكنها تضم من الحقيقة جوهرا ساميا ومخزونا طاميا . فهي تبين عدا عن سعة علوم الإمام ( ع ) ، أن علومه هذه ليست هي علوم دينية واجتماعية فحسب ، يقدر ما هي علوم طبيعة وكونية ، تمتد لتشمل عوالم الطبيعة و

--> ( 1 ) سورة النور - 36 . ( 2 ) فتح الملك العليّ بصحة حديث باب مدينة العلم العلّي ، تأليف : الإمام المحدث أحمد بن محمد الصدّيق المغربيّ . ( 3 ) نهج البلاغة - الخطبة - 231 .