السيد المرعشي
33
شرح إحقاق الحق
الآية الثالثة قوله تعالى : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) ( سورة آل عمران : 61 ) قد تقدم ما ورد في نزولها في شأن سيدنا الأمير علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في ج 3 ص 46 إلى ص 75 وج 9 ص 70 إلى ص 91 وج 14 ص 131 إلى ص 148 وج 18 ص 389 وص 390 وج 20 ص 84 إلى ص 87 عن كتب أعلام العامة ونستدرك هيهنا عن الكتب التي لم نرو عنها في ما مضى : ( 1 )
--> ( 1 ) قال العلامة أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري المتوفى سنة 783 في كتابه ( المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ) ج 2 ص 228 ط حيدر آباد الدكن سنة 1396 : ومن الذين كاتبهم صلى الله عليه وسلم وأرسل إليهم أسقف نجران ، وهو كان كبير وادي نجران والمشار إليه بينهم . روى صاحب الهدي المحمدي بسنده عن يونس بن بكير ، عن سلمة بن عبد يسوع ، عن أبيه ، عن جده ، قال يونس - وكان نصرانيا فأسلم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران : ( بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب . والسلام ) . فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه قطع به وذعر ذعرا شديدا ، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من همدان - ولم يكن أحد يدعى إذا نزل له معضلة قبله ، لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب ، فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقرأه ، فقال الأسقف : يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة [ فما يؤمن أن يكون هذا هو ذلك الرجل ، ليس لي في النبوة ] رأي ، لو كان من أمر الدنيا أشرت عليك فيه برأيي ، وجهدت لك فيه . فقال الأسقف : تنح فاجلس ، فتنحى شرحبيل فجلس ناحية ، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل ، وهو من ذي أصبح من حمير ، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه ، فقال له مثل قول شرحبيل . فقال له الأسقف : تنح فاجلس ، فجلس ناحية . فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن قيص من بني الحارث بن كعب ، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه ، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله ، فأمره الأسقف فتنحى ، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب ، ورفعت المسوح في الصوامع ، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار ، وإذا كان فزعهم بالليل ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع ، فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع ، وفيه ثلاثة وسبعون قرية وعشرون ومائه ألف مقاتل ، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه ، واجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن قيص الحارثي فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من الحبرة وخواتيم الذهب ، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام ، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب ، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف - وكانا معرفة لهم - كانا يخرجان العير في الجاهلية إلى نجران ويشترون لهما من برها وتمرها وذرتها ، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار من مجلس . فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم قد كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي منكما أنعود ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو في القوم : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن : أرى أن يضعوا حللهم وخواتيمهم ، ففعلوا ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد سلامهم ، ثم سألهم وسألوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى فيسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما عندي فيه شئ يومي هذا ، فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى ، فأصبح الغد وقد أنزل الله تعالى ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حاجك فيه - إلى قوله عز وجل على الكاذبين ) . فأبوا أن يقروا بذلك ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له - قال عياض : الخميلة كساء ذات خمل - وفاطمة تمشي عند ظهره للمباهلة وله يومئذ عدة نسوة ، فقال شرحبيل لصاحبيه : يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن قيص قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي ، وإني والله أرى أمرا مقبلا ، وأرى والله إن كان هذا الرجل مبعوثا فكنا أول العرب طعنا في عيثه وردا عليه أمره ، ولا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبونا بجائحة ، وإني لأرى القرب منهم جوارا ، وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك . فقال له صاحباه : فما الرأي ؟ فقد وضعتك الأمور على ذراع ، فهات رأيك . فقال : رأيي أن أحكمه ، فإني أرى الرجل لا يحكم شططا أبدا . فقالا له : أنت وذاك . فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك . فقال : وما هو ؟ قال شرحبيل : حكمك اليوم إلى الليل وليلته إلى الصباح ، فمهما حكمت فينا فهو جائز . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعل وراءك أحدا يثرب عليك ؟ فقال شرحبيل : سل صاحبي . فسألهما فقالا : ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كافر - أو قال جاحد - موفق . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم ، حتى إذا كان من الغد أتوه فكتب له هذا الكتاب : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما كتب محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لنجران ، إذ كان عليهم حكمه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق ، فأفضل عليهم ، وترك ذلك كله على ألفي حلة ، في كل رجب ألف حلة ، وفي كل صفر ألف حلة ، أو قيمة كل حلة من الأواقي ، ما زادت على الخراج أو نقصت عن الأواقي فبحساب ، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بحساب ، وعلى نجران مثواة رسلي ومتعتهم بها عشرين فدونه ، ولا يحبس رسول فوق شهر ، وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد باليمن ذو معذرة ، وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسولي حتى يؤديه إليهم ، والنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم ، وأن لا يغيروا مما كانوا عليه ، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم ، ولا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا وقهة من وقهيته - الوقه : الطاعة ، قاله الجوهري - وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ، وليس عليهم دية ولا دم جاهلية ، ولا يحشرون ولا يعشرون ، ولا يطأ أرضهم جيش ، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين ، ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة ، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر ، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مبتلين بظلم . شهد أبو سفيان بن حرب ، وغيلان بن عمرو ، ومالك بن عوف ، والأقرع ابن حابس الحنظلي ، والمغيرة بن شعبة ، وكتب ) . فلما قبضوا كتابهم وانصرفوا إلى نجران تلقاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلة ، ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة ، فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأسقف ، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذا كبت ببشر ناقته ، فتعس بشر غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الأسقف عند ذلك : قد والله تعست نبيا مرسلا . فقال بشر : لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتيه ! فضرب وجه ناقته نحو المدينة ، وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له : أفهم عني ، إنما قلت هذا ليبلغ العرب عني مخافة أن يقولوا إنا أخذنا حمقة ، أو نجعنا لهذا الرجل بما تنجع به العرب ، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا ، فقال له بشر : لا والله لا أقيلك ما خرج من رأسك أبدا ، فضرب بشر وهو مول ظهره للأسقف وهو يقول : إليك تعدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها قال الجوهري : الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب والحزام للسرج ، وجمعه وضن ، وهو النسع من سيور منسوج بعضه على بعض ، والوصن : النسج . حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد بعد ذلك . ودخل الوفد نجران ، فأتى الراهب ابن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعة له ، فقيل له : إن نبيا قد بعث بتهامة وإنه كتب إلى الأسقف ، فأجمع أهل الوادي أن يسيروا إليه شرحبيل وعبد الله وجبارا فيأتونهم بخره ، فساروا حتى أتوه ، فدعاهم إلى المباهلة فكرهوا ملاعنته ، وحكمه شرحبيل فحكم عليه حكما وكتب لهم كتابا ، ثم أقبل الوفد بالكتاب حتى دفعوه إلى الأسقف ، فبينا الأسقف يقرؤه وبشر معه إذ كبت ببشر ناقته فتعسه ، فشهد الأسقف أنه نبي مرسل ، فانصرف أبو علقمة نحوه يريد الاسلام . فقال الراهب : أنزلوني وإلا رميت نفسي من هذه الصومعة ، فأنزلوه فانطلق الراهب بهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء والقعب والعصا وأقام الراهب بعد ذلك يستمع كيف ينزل الوحي والسنن والفرائض والحدود ، وأبى الله للراهب الاسلام فلم يسلم ، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجعة إلى قومه وقال : إن لي حاجة ومعادا إن شاء الله . فرجع إلى قومه فلم يعد حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكر محمد بن سعد في الطبقات : إن وفد نجران كانوا أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى ، فيهم العاقب وهو عبد المسيح رجل من كندة ، وأبو الحارث ابن علقمة رجل من ربيعة ، وأخوه كرز ، والسيد وأوس ابنا الحارث ، وزيد بن قيس وشيبة ، وخويلد ، وخالد ، وعمرو ، وعبيد الله ، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم والعاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم ، والسيد وهو صاحب رحلتهم . فتقدمهم كرز أخو أبي الحارث وهو يقول : إليك تغدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قدم الوفد بعده ، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير ، فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم ، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم ولم يكلمهم ، فقال لهم عثمان : ذلك من أجل زيكم هذا ، فانصرفوا من يومهم ذلك ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه ، فرد عليهم ودعاهم إلى الاسلام ، فأبوا وكثر الكلام والحجاج بينهم وتلا عليهم القرآن ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أنكرتم ما أقول لكم فهلم أباهلكم . فانصرفوا على ذلك . وغدا عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد بدا لنا أن لا نباهلك فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك ، فصالحهم على ألفي حلة : ألف في رجب وألف في صفر ، أو قيمة كل حلة من الأواقي ، وعلى عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد ، ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم غائبهم وشاهدهم وبيعهم ، ولا يغير أسقف من سقيفاه ولا راهب من رهبانيته ولا واقف من وقفانيته ، وأشهد على ذلك شهودا ، منهم أبو سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة ، فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما ، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري . وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله تعالى - صلوات الله عليه ورحمته ورضوانه . ثم ولي أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكتب بالوصاة بهم عند وفاته ، ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرضهم وكتب لهم ( هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران : من سار منهم أنه آمن بأمان الله ، لا يضرهم أحد من المسلمين وفاء لهم بما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ) . فوقع ناس منهم بالعراق فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة . وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن مسعود : أن السيد والعاقب أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما ، فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه فوالله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، قالوا له : نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا ، ولا تبعث حق أمين ، فاستشرف لها أصحابه فقال : قم يا أبا عبيدة . فلما قام قال : هذا أمين هذه الأمة . وذكر البغوي في تفسير قوله عز وجل ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ) الآيات ، نزلت في وفد نجران ، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك تشتم صاحبنا ؟ فقال : وما أقول ؟ قالوا : تقول إنه عبد . قال : أجل ، هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول ، فغضبوا وقالوا : هل رأيت انسانا قط من غير أب ؟ فأنزل الله عز وجل ( إن مثل عيسى عند الله ) في كونه خلقا من غير أب ( كمثل آدم ) لأنه خلق من غير أب وأم ( خلقه من تراب ثم قال له ) يعني لعيسى ( كن فيكون ) يعني فكان . فإن قيل : ما معنى قوله ( خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) خلقا ولا تكوين بعد الخلق . قيل : معناه خلقه ثم أخبركم أني قلت له : كن ، فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة ، وهو مثل قول الرجل : أعطيتك اليوم درهما ، ثم أعطيتك أمس درهما ، أي ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهما ، وفيما سبق من التمثيل على جواز القياس دليل ، لأن القياس هو رد فرع إلى أصل بنوع شبه ، وقد رد الله تعالى خلق عيسى إلى آدم بنوع شبه . قوله ( الحق من ربك فلا تكن من الممترين ) الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . ثم قال تعالى ( فمن حاجك فيه ) أي جادلك في عيسى ( من بعد ما جاءك من العلم ) بأن عيسى عبد الله ورسوله ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) أراد الحسن والحسين وفاطمة وعليا عليهم السلام ، والعرب تسمي ابن عم الرجل نفسه ، قيل في قوله نبتهل : نتضرع ، وقيل : نجتهد ونبالغ في الدعاء ، وقيل : نلتعن : والابتهال : الالتعان . ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) منا ومنكم في أمر عيسى . فلما قرأها عليهم قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا ، فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى ؟ قال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، ووالله ما لاعن قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن ، فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم . فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفهما وهو يقول : إذا أنا دعوت فأمنوا . فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة . فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونلبث على ديننا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم ، فأبوا ، فقال : فإني أنابذكم . فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي لك كل عام ألفي حلة ، ألفا في صفر وألفا في رجب ، فصالحهم على ذلك وقال صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي نارا ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا . قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال : أهل نجران عرب من بني الحارث بن كعب ، وهم أول من أعطى الجزية من النصارى . قلت : وأخبرني الشيخ أحمد بن حسن بن علي الحرازي أن نجران بادية في مشارق أرض اليمن بينها وبين صعدة مما يلي الشرق مسيرة أربعة أيام ، وهو واد كثير النخل ينسب إليه أهل اليمن القصب النجراني ، أكثرهم مسلمون وبه نصارى من بقية أولئك ، وهم أهل بادية يصنعون ، أكثر مواشيهم المعز ، والحاكم عليهم في وقتنا - وهي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة - إمام الزيدية علي بن محمد الإمام ، ثم توفي وخلفه ولده محمد ، يعرف بالسيد صلاح .