محمد علي الحسن
78
المنار في علوم القرآن
وقعا فيه من الخطيئة ، أرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا ، وحيل بينهما وبين ذلك ، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه ، فعجبوا كل العجب ، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية ، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض فنزل في ذلك وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] فقيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، فقالا : أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له ، فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلا ببابل فهما يعذبان ، وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا ، ثم قال : صحيح الإسناد لم يخرجاه « 1 » . إن هذه الروايات قد ثبتت عن ابن عباس كما قال ابن كثير ، وهي تدل على أخذه بالإسرائيليات كما بينا ، لذا ترد هذه الرواية - نزول القرآن إلى السماء الدنيا دفعة واحدة - ولا تعطى حكم المرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأن من شروطه أن يكون مما لا مجال للرأي فيه ، وأن يكون الصحابي ممن لم يأخذ بالإسرائيليات فيما له صلة بالرواية فقط ، فإن لم يكن للإسرائيليات صلة فتقبل الرواية . وبهذا يكون القول الراجح في كيفية نزول القرآن : أن القرآن الكريم قد ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما على مدار السنوات على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واللّه أعلم .
--> ( 1 ) المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم النيسابوري 2 / 442 .