محمد علي الحسن

74

المنار في علوم القرآن

فقال ابن عباس : « إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام » ، يريد أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق ، وذكر السيوطي عن ابن عباس عدة روايات أخرى تفيد نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا « 1 » ، فهو حديث ورد عنه من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا . وهو وإن كان موقوفا على ابن عباس ، إلا أن له حكم المرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . لما هو مقرر من أن قول الصحابي - فيما لا مجال للرأي فيه ، إذا لم يكن معروفا بالأخذ عن الإسرائيليات - حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا ريب أن نزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب التي لا تعرف إلا من المعصوم . أما حكمة إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا قبل إنزاله مفرقا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهي : أن إنزاله مرتين على وجهين مختلفين ، مرة جملة واحدة ، ومرة أخرى مفرقا فيه من الاحتفال به والعناية بشأنه ما ليس في إنزاله مرة واحدة على وجه واحد ، ولا شك أن في المزيد من العناية به تعظيما لشأنه وشأن من نزل عليه ، ثم إن وضعه في مكان يسمى ببيت العزة ، يدل على إعزازه وتكريمه ، ومن لوازم هذا تكريم المنزل عليه ، وتفخيم شأنه ، هذا شيء يمكن أن يقال في حكمة إنزاله جملة ، ثم إنزاله مفرقا واللّه تعالى هو العليم بحقيقة السر في ذلك . وقد ذهب إلى هذا الرأي كثير من الأقدمين والمحدثين منهم الشيخ الزرقاني « 2 » والشيخ محمد أبو شهبة ونص عبارته : ( ومعلوم : أن هذا لا يقوله « ابن عباس » بمحض الرأي ، فهو محمول على سماعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو ممن سمعه من النبي من الصحابة ، ومثل هذا له حكم المرفوع ، لأن القاعدة عند أئمة الحديث : أن قول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات فيما لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع ، وبذلك ثبتت حجية هذه الآثار ) « 3 » .

--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن 1 / 116 - 119 . ( 2 ) مناهل العرفان ج 1 ص 45 . ( 3 ) المدخل لدراسة القرآن الكريم ص 51 .