محمد علي الحسن
288
المنار في علوم القرآن
والبيان - بأنه لا يوجد تفسير أوسع مجالا في جهوده في هذا الصدد من تفسير الزمخشري . ولقد كانت لعناية الزمخشري بهذه الناحية في تفسيره من الأثر بين المفسرين ، وبين مواطنيه من المشارقة ما هو واضح بيّن . أما أثره بين المفسرين فإن كل من جاء بعده منهم - حتى من أهل السنة - استفادوا من تفسيره فوائد كثيرة كانوا لا يلتفتوا إليها لولاه ، فأوردوا في تفسيرهم ما ساقه الزمخشري في كشافه من ضروب الاستعارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى ، واعتمدوا ما نبّه عليه الزمخشري من نكات بلاغية ، تكشف عما دقّ من براعة نظم القرآن وحسن أسلوبه . ثم إنا نستعرض هذه الروح البلاغية التي تسود في تفسير الزمخشري فنشهدها واضحة من أول الأمر عندما تكلم عن قوله تعالى من أول سورة البقرة : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] فبعد أن ذكر كل الاحتمالات التي تجوز في محل هذه الجملة من الإعراب ، نبّه على أن الواجب على مفسر كلام اللّه تعالى أن يلتفت للمعاني ويحافظ عليها ، ويجعل الألفاظ تبعا لها ، فقال ما نصه : « . . . والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا وأن يقال : إن قوله : ألم جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، ذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية و لا رَيْبَ فِيهِ ثالثة و هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ، رابعة ، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة ، وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض ، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها . . . وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة ، بيان ذلك ، أنه نبّه أولا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال ، فكان تقريرا لجهة التحدي ، وشدا من أعضاده ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة وتسجيلا بكماله ، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة . . . ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله . . . ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ، ونظمت هذا النظم السري ، من نكتة