محمد علي الحسن

245

المنار في علوم القرآن

كما قال الإمام المحقق الألوسي : « وأما التفسير بالرأي فالشائع المنع عنه » . ثم بعد أن ساق أقوال المانعين قال : ولا دليل في ذلك . نعم إن عبارة المانعين للتفسير بالرأي صريحة في منع كل تفسير بالرأي ، وهي ناصعة في جلاء لا يعتوره أدنى شائبة من غموض أو التواء ، على أنه حتى لو بلغ صاحب الرأي ما بلغ من علم واجتهاد وسعة أدب ، فليس له أن يفسر القرآن برأيه ، وإنما عليه أن يقتصر على المأثور فحسب ، فهل بعد هذا نقول : إن الخلاف بينهم لفظي ؟ وإن مراد المجيزين للتفسير بالرأي إنما يريدون الرأي المحمود ، وإن مراد المانعين للتفسير بالرأي إنما هو الرأي المذموم ؟ كلا إن المانعين للتفسير بالرأي يمنعونه ولو صدر عن العلماء ؛ وكل فريق يعزز رأيه ويرد على الآخر : فكيف يقال : إن المنع للرأي المذموم ، والجواز للرأي المحمود ؟ إن المانعين للرأي لا يقصدون الرأي المذموم فحسب ، إذ إن هذا بدهي من البدهيات التي يسلم لهم بها المجيزون ، وإنما يقصدون المنع من التفسير بالرأي على عمومه وشموله ، محموده ومذمومه ، صحيحه وسقيمه ، فالقائل بالقرآن برأيه وإن أصاب فقد أخطأ ، فالمصيب مخطئ ، فما بالك بالمخطئ . هل بعد هذه الصراحة صراحة في قصدهم الواضح ، من تحريم التفسير بالرأي ، بجميع أشكاله وألوانه . لهذا كله ، فإن الحق الذي نقول به : إن الخلاف حقيقي لا أثر فيه للفظية ، لذا كان لزاما علينا أن نسلك طريق الترجيح الذي لا محيص عنه فنقول : إن أدلة المجيزين للتفسير بالرأي أقوى حجة ، والواقع العملي الثابت عن سيرة الصحابة والتابعين يدل عليه ، فإن الذين رويت عنهم الأخبار بالامتناع عن التفسير بالرأي ، قد ثبت عنهم التفسير بالاجتهاد والتفسير بالرأي ، وما اختلاف التفاسير وتنوعها ، واختلاف التفاسير عن الصحابة والتابعين إلا دليل ناصع على أن مصدر هذا الخلاف إنما هو تباين الآراء النابع عن اجتهادهم . وتبقى أدلة المنع محصورة فيما لا يجوز أن يفسر به القرآن بالرأي ، في المجال الذي ليس له أن يقول فيه قولا إلّا نقلا أو سماعا ، هذا ما نميل إليه ، أما أن نجمع بين