محمد علي الحسن
243
المنار في علوم القرآن
ويبدو أن أصحاب هذا الرأي لم يحالفهم الصواب في الجمع بين القولين ، فجعلوا الخلاف لفظيا لا حقيقيا ، مع أن الخلاف على ما سيظهر لك جوهري ، وهاك أقوال المجيزين والمانعين للتفسير بالرأي . أدلة المجيزين للتفسير بالرأي : 1 - من القرآن : قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] . قالوا : إن تدبر القرآن يكون بفهمه ومعرفة تفسيره ، وذلك عن طريق العقل والاجتهاد بالرأي ، وقوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النساء : 83 ] . يدل على أن أهل الاستنباط والاجتهاد هم الذين يعملون معاني القرآن ، بما وهبهم اللّه من قوة الاستنباط . 2 - أن القول بمنع التفسير بالرأي مساو للقول بمنع الاجتهاد وهذا القول مردود بداهة . 3 - اختلاف الصحابة في الأقوال - طبعا في بعض الأحيان - يدل دلالة واضحة على جواز التفسير بالرأي ، إذ لولا ذلك لاتفقت تفاسيرهم . 4 - دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عباس أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل ، فلو كان التأويل كل التأويل من التنزيل والسماع والنقل ، لما كان لدعائه صلّى اللّه عليه وسلّم فائدة في تخصيصه بالدعاء . أما أدلة المانعين فقد استدلوا : أولا : من القرآن الكريم قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . قالوا : إن هذه الآية حصرت البيان والتفسير بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فليس لأحد غيره أن يفسّر القرآن برأيه . ثانيا : من السنة : ما رواه الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار » « 1 » وما رواه الترمذي أيضا وأبو داود
--> ( 1 ) باب التفسير في سنن الترمذي 2 / 157 ، ح ( 2951 ) .