محمد علي الحسن
240
المنار في علوم القرآن
أما إذا قال الصحابي برأيه في القرآن ، فينبغي التحاكم إليهم فيما هو بلسانهم ، لأن أكثرهم عرب خلّص ، ولهم من الفهم السليم والرأي السديد ما ليس لسواهم ، فهم لذلك أحقّ من غيرهم في الأخذ بقولهم وفهمهم . وما يجدر ذكره أن أغلب ما ثبت من اختلاف الصحابة ، بل السلف في التفسير ، هو ما يتبين فيه وجه الصواب ، بل مما يمكن فيه الجمع بين الأقوال المختلفة ، والأخذ بها جميعا ، وكذلك فإن غالب ما ثبت عنهم في ذلك إنما يرجع إلى اختلاف تنوع ، لا اختلاف تضاد ، على ما بين ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير . فلقد عقد في ذلك فصلا في اختلاف السلف في التفسير وأنه اختلاف تنوع . ولا يفوتنا أن ننبه إلى خطأ من فهم من كلام ابن تيمية ، وهو أن كل خلاف الصحابة هو اختلاف تنوع ، لا اختلاف تضاد ، ثم أخذ يدلل على هذا الكلام . والحقيقة أن كلام ابن تيمية لا يفيد هذا المعنى ، وكأن الذي ورطه في هذا الفهم السقيم ، هو العنوان الذي وضعه ابن تيمية حيث قال : ( فصل في اختلاف السلف وأنه اختلاف تنوع ) ، ولكنه لو أتم قراءة ما تحت هذا العنوان لوجد الرأي الصحيح والفهم السديد لكلام ابن تيمية ، حيث قال بعد سطرين : ( وغالب ما يصح عنهم في الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ) . لاحظ كلمة غالب ، وليس كل ، فالاختلاف في غالبه لا جميعه هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ، كيف لا وقد وجد اختلاف تضاد بين الصحابة رضوان اللّه عليهم ، بل وقع اختلاف التضاد بين أكبر علمين من الصحابة في التفسير ، وهما عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود ، فقد روي عن عبد اللّه بن عباس في تفسير قوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [ النجم : 13 ] . قال ابن جرير : عن عكرمة عن ابن عباس : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى ربّه بقلبه « 1 » كما روى عن ابن عباس أيضا أنه قال : « أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » .
--> ( 1 ) الطبري في تفسير سورة النجم . ( 2 ) الطبري في تفسير سورة النجم .