محمد علي الحسن
236
المنار في علوم القرآن
نقول لهم : إن القرينة المخصصة للعموم موجودة ، فبعد عشرين آية من هذه الآية وفي السورة نفسها ورد قوله تعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ . . [ النحل : 64 ] . فلا يتم التفسير الصحيح ولا الفهم السديد إلّا بجمع الآيتين ، لأن خير من يفسر القرآن هو القرآن ذاته . فالبيان المطلوب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو توضيح ما خفي على الصحابة ، وما استشكلوه واختلفوا فيه ، وليس بمطلوب منه صلّى اللّه عليه وسلّم بيان ما لم يخف ، فإن واقع أمر القرآن ، وأمر ما نزل بلسانهم ، أن فيه كثيرا من البيان ، بل بديهة البيان بنفسها بالنسبة لكل ذي حظ من معرفة هذا اللسان ، فضلا عن أهله الخلّص ، فلا يسيغ بالمنطق مع هذا أن يقوم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ببيان هذه الجليات . أما استدلالهم بأن الصحابة كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يتعلموا ما فيها من العلم ، فليس في هذا الأثر وجه لاستدلالهم على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسّر لهم جلّ القرآن كلمة كلمة وآية آية ، لأن الأثر يحكي ما كان حال العلم وطلبه والاهتمام به والعمل بمقتضاه في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد يكون بالرجوع إليه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد يكون بالرجوع إلى اللغة . . قال القرطبي عن هذا الحديث : إنه حكاية ما كان عليه العلم وطلبه « 1 » . وقال المرحوم أحمد شاكر : فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير ، فليس في الأثر ما يفيد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسر لهم جميع القرآن . أما الدليل الثالث : فهو أن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه ، فكيف بكلام اللّه ، فإن هذا الدليل العقلي لا يتعارض مع كون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيّن كلّ شيء تحتاجه الأمة ، ولم يبين ما هو معروف بالضرورة وباللغة . ولا يمكن أن يشرح ما لا يشكل فهمه ولا يشتبه أمره ، فإن طلب شرح مثله ضرب من العبث واستنفاد الوقت والجهد من غير طائل ، فيجب أن يتنزه عن ذلك من له أدنى حظ من سلامة العقل وسداد منطقه ، فضلا عن الصحابة ، عليهم رضوان اللّه ، في سداد رأيهم ووفرة علمهم .
--> ( 1 ) القرطبي ، 1 / 39 .