محمد علي الحسن
233
المنار في علوم القرآن
عن طريق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا يمكن للغة ولا لعقل أن يأتي بشيء فضلا عن أن يستقل به ، ومن ثم كان لا بد من الرجوع إلى البيان منه إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كما رجع إليه الصحابة - رضوان اللّه عليهم - لذا فإنا نؤيد العلماء « 1 » ، فيما نقدوا لابن خلدون قوله : ( إن القرآن نزل بلغة العرب ، وعلى أساليب بلاغتهم ، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه ) « 2 » . وأقرب دليل على خطأ ابن خلدون ما نشاهده اليوم من الكتب المؤلفة على اختلاف لغاتها ، وعجز كثير من أبناء هذه اللغات عن فهم كثير مما جاء فيها بلغتهم ، إذ الفهم لا يتوقف على معرفة اللغة وحدها ، بل لا بد لمن يفتش عن المعاني ويبحث عنها من أن تكون له موهبة عقلية خاصّة ، تتناسب مع درجة الكتاب وقوة تأليفه « 3 » . يقول الدكتور سيد أحمد خليل « 4 » : إن هذا التعميم من ابن خلدون في مقدمته ، فيه شيء من المجازفة التي لا يقرها تاريخ التفسير نفسه ، لذا استدرك ابن خلدون بعد هذه العبارة قائلا : إن في القرآن نواحي في حاجة إلى البيان ، فقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يبين المجمل ، والناسخ والمنسوخ يعرفه أصحابه فعرفوه ، وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منقولا عنه . فهذا إقرار من ابن خلدون بأن فهم اللغة غير كاف لمعرفة تفسير القرآن الكريم ، بل لا بد من الرجوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لفهم المعاني الأخرى التي يتعذر معرفتها بدونه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم إن ابن خلدون نفسه قد ساق قصة وردت في صحيح الإمام البخاري أن عديّ ابن حاتم لم يفهم قوله تعالى : . . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ . . [ البقرة : 187 ] « 5 » . وساق قصته المعروفة .
--> ( 1 ) من هؤلاء العلماء محمد حسين الذهبي ( رحمه اللّه ) ، والزميل الأستاذ إبراهيم خليفة ، ود . سيد أحمد خليل ، أما الأستاذ الدكتور محيي الدين خليل رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الرياض ، فقد ذهب إلى رأي صاحب المقدمة ثم رجع عن قوله . ( 2 ) مقدمة ابن خلدون ص 366 الأميرية . ( 3 ) دراسات في مناهج المفسرين ص 249 . ( 4 ) انظر : كتابه نشأة التفسير في الكتب المقدسة ص 32 ، والكتاب طبع بالإسكندرية سنة 1954 م . ( 5 ) وانظر صحيح البخاري ( 1916 ) .