محمد علي الحسن

219

المنار في علوم القرآن

وقوله : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 3 - 4 ] . وقوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . . [ البقرة : 165 ] إلى غير ذلك من الآيات المتكاثرة التي يقطع العقل بتعين معناها ويحيل إرادة غيره . كما يمكن أن يتحقق الجزم أيضا من ظهور المعنى بنفسه ، بأن يكون اللفظ نصا فيه لا يحتمل غيره . فما ظنك واشتراط مثل هذا الجزم مما لا يسلم لقائله أصلا ، بل إن تيسر لنا في بعض المفردات أو التراكيب فذاك وضح لنا حينئذ القطع بإرادة المعنى من الكلمة أو العبارة ، إمّا من الطريق الذي ذكره ، أو من الطريق الذي ذكرنا ، وإلّا فلنا أن نفسر بغلبة الظن . غاية الأمر أنّا لا نقطع حينئذ بكون المعنى هو المراد للّه تعالى ، وبالتالي لا نطلق عبارة تفيد مثل ذلك القطع ، بل نقول : إنّا لو طبقنا قانون أهل الأصول الذي لا يسع منصفا أن يدافعه ، لرأينا أن الطريق الذي ذكره لتحقيق الجزم وهو الرواية لا يمكن أن يحقق الجزم أيضا ، اللهم إلّا في حال واحدة هي أن تكون الرواية قطعية الثبوت في نفسها بأن تكون قرآنا ، أو حديثا متواترا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو مما وقع عليه الإجماع من الصحابة والتابعين من غير نكير ، وما أعز مثل هذه الطلبة ، فأما حيث تكون الرواية ظنية الثبوت في نفسها ، حتى وإن تلك مما نقل عنه صلّى اللّه عليه وسلّم بالسند الصحيح ، فهيهات هيهات لمثلها أن تحقق الجزم بالمراد ، وهذا أمر يكاد يبلغ درجة البدهيات التي لا يسع ذو نصفة في الأصول ولا في الفروع أن يماري فيه . فكان على الشيخ رحمه اللّه - لو لزم شيئا من الجادة - أن يشترط التواتر إذن في الرواية ، مع أنه لعمر الحق لو فعل لضيّق واسعا ، وقال بما لم يقل به أحد ، لا من السابقين ولا من اللاحقين ، فهذا شأنه في التفسير . أما التأويل فما كنا لنسلم له أصلا كذلك ، إن كل دراية يجب أن تعد تأويلا ، حتى لو كانت مما يقطع به العقل ، أو يعينه كون اللفظ نصا لا يحتمل غير معناه بوجه من الوجوه ، أو حتى يرجحه كون اللفظ ظاهرا في معناه ، ولم تقم قرينة توجب صرفه عن هذا المعنى حتى يصرف عنه ، بل الوجه عندنا ، ولا نحسبه إلّا عند كل منصف كذلك ، أن يعد هذا كله من قبيل التفسير ، وأن يقصر التأويل على ما يكون استنباطه من اللفظ مفتقرا إلى مزيد من إعمال الفكرة وإنعام النظرة ، أو يكون مما يستعصى