محمد علي الحسن
200
المنار في علوم القرآن
شبهة مردودة في هذا النوع من النسخ : لقد ورد في تفسير ابن كثير مثال على هذه الحالة في شروط صلح الحديبية إذ كان من شروطها « على ألا يأتيك أحد منا إلّا رددته إلينا » وفي رواية « من جاءك منا » « 1 » . ثم قالوا : إن آية الممتحنة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ . . [ الممتحنة : 10 ] . فأمرت الآية بعدم ردّ النساء ، أو على حدّ تعبير بعض المفسرين فنسخ اللّه في حقّ النساء ، ولكن كما يقولون يلزم منه القول بنقض العهد ، هكذا قالوا ، وزعم المستشرقون ومن في قلبه مرض أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي بدأ بنقض العهد حين نزلت عليه آية الممتحنة المذكورة . والحقّ أنه لا نسخ للسنة بالقرآن في هذه الحادثة ، لأن أكثر ما يقال في هذا الأمر وحسب الروايات المذكورة ، أنها من باب تخصيص القرآن للسنة ، وقد خلت كتب الأصول من التمثيل عليه ، ويعتبر هذا من أحسن الأمثلة على تخصيص القرآن للسنة ، كما ذكره ابن كثير بل هو المثال الوحيد . أما قول بعض المفسرين أن هذا نسخ فإن هذا على رأي من يقول : إن التخصيص بالمنفصل هو نسخ جزئي في رأي لأحد المجتهدين . والحق أن هذه الآية لم تنسخ ، ولم تخصص بالروايات المذكورة ، إذ ثبت في صحيح البخاري ( على ألا يأتيك رجل منا إلّا رددته إلينا ) « 2 » وفي هذه الرواية تفسير لكلمة أحد - الواردة في إحدى الروايات الصحيحة - برجل الواردة في الروايات الأخرى ، وعندها لن تكون الآية في حقّ النساء ناسخة ولا مخصصة واللّه أعلم .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 4 / 214 ، 372 . ( 2 ) صحيح البخاري . كتاب الشروط . باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط ح ( 2731 ، 2732 ) .